أصدرت السلطات القضائية التركية أمراً بتوقيف الصحفي والمسؤول الإعلامي السابق، كمال أوزتورك، على خلفية تصريحات تلفزيونية استهدفت الأقلية العلوية العربية في سوريا، وهي التصريحات التي واجهت إدانات واسعة واعتُبرت خطاب كراهية مباشر.
ويأتي هذا الإجراء القضائي، المقرر تنفيذه اليوم الأول من سبتمبر في وقت تشهد فيه المنطقة حساسية بالغة تجاه سلامة الأقليات الطائفية في أعقاب التحولات الميدانية والسياسية المتلاحقة في المشهد السوري.
ملاحقة قضائية سريعة واستدعاء عبر الفيديو
بدأت ملاحقة أوزتورك عقب تحرك الادعاء العام في قضاء سامان داغ التابع لولاية هاتاي الجنوبية، حيث فُتح تحقيق رسمي بناءً على تصريحات أدلى بها الكاتب التركي خلال مشاركته في برنامج حواري بثته قناة “إن تي في” (NTV) الإخبارية في السابع والعشرين من الشهر الماضي.
وقد استمعت النيابة العامة لشهادات المشتكين، ووجهت تعليمات رسمية إلى مكتب المدعي العام في منطقة الأناضول بإسطنبول لتوقيف أوزتورك واحتجازه بغرض إخضاعه للاستجواب عبر نظام الاتصال المرئي القضائي التركي المعروف اختصاراً بـ “سيغبيس” (SEGBİS).
الفظائع والتحريض المثير للجدل
أوزتورك، الذي شغل سابقاً منصب المستشار الإعلامي للرئيس رجب طيب أردوغان إبان توليه رئاسة الوزراء، وتولى لاحقاً إدارة وكالة الأناضول الرسمية، أطلق تصريحاته المثيرة للجدل أثناء مناقشة ملف الانتهاكات المنسوبة للسلطات السورية السابقة تحت حكم الرئيس بشار الأسد.
وخلال البث التلفزيوني، استشهد أوزتورك بروايات نقلها عن معتقلين في سجن صيدنايا العسكري، ومناطق أخرى مثل إدلب وعفرين وريف حلب. واعتبر الكاتب أن حجم الفظائع المذكورة قد يدفع البعض للشعور بأن الطائفة العلوية العربية—التي أشار إليها مستخدماً مصطلح “النصيرية”—تستحق الإبادة الجماعية. ورغم استدراكه لاحقاً في اللقاء بأن القوى الحاكمة الجديدة في سوريا لم تلجأ للانتقام الجماعي أو الإعدامات الميدانية، إلا أن صياغته أثارت عاصفة من الرفض والغضب.
دفاع محاط بالتشكيك والرفض
في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد، دافع أوزتورك بأن كلماته جرى تحويرها واقتطاعها من سياقها الأصلي من قبل جماعات تشن ضده حملة تشويه ممنهجة. وأوضح أنه كان يسعى في الواقع للإشادة بسلوك السلطات الجديدة في سوريا لامتناعها عن الانتقام الجماعي رغم الانتهاكات المنسوبة لنظام الأسد السابق. غير أن هذا التوضيح لم يفلح في تهدئة ردود الفعل العنيفة من الأوساط الحقوقية والسياسية.
غضب حقوقي وتحذيرات من عواقب التجييش الطائفي
قوبلت هذه التصريحات بإدانات حاسمة من كبرى المؤسسات الممثلة للطائفة العلوية؛ إذ اتهم اتحاد علويي تركيا والكونفدرالية الأوروبية للاتحادات العلوية أوزتورك باستخدام لغة تجرد مجتمعاً عقائدياً بأكمله من إنسانيته وتشرعن العنف الموجه ضده. وأكد الاتحاد أن الشاشات التلفزيونية لا ينبغي أن تتحول إلى منصات لاستهداف المكونات الدينية وتحويلها إلى أهداف مشروعة.
من جهته، تقدم حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM) المؤيد للأكراد بطلب لفتح تحقيق جنائي عاجل، واصفاً ما ورد على لسان المستشار السابق بأنه خطاب كراهية يرقى لمرتبة الجريمة. وحذر الحزب من أن التاريخ يعج بالشواهد التي تبين كيف يمهد استهداف الجماعات بناءً على هويتها ومعتقداتها الطريق لارتكاب المجازر والتطهير العرقي وإحداث انقسامات مجتمعية عميقة. كما طالب إلهان تاشجي، العضو المعارض في المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون التركي (RTÜK)، الهيئة الرقابية بالتحقيق الفوري في محتوى البث التلفزيوني للقناة الناقلة.
السياق الإقليمي ومخاوف الاستهداف الطائفي
تأتي هذه الأزمة في وقت لا يزال فيه القلق الدولي والإقليمي مستمراً بشأن سلامة الأقلية العلوية العربية—التي يتركز وجودها في المحافظات الساحلية السورية وينتمي إليها الأسد—وذلك عقب الإطاحة بنظامه في ديسمبر 2024.
وتعزز هذه المخاوف تقارير ميدانية بالغة الحساسية؛ حيث كشف تحقيق استقصائي أجرته وكالة رويترز عن مقتل ما لا يقل عن 1479 علوياً سورياً في نحو أربعين موقعاً مختلفاً خلال هجمات انتقامية وأعمال سلب وفوضى شهدتها البلاد في مارس/آذار 2025، وهي أعمال تورطت فيها قوى تابعة للسلطة الجديدة ومقاتلون موالون للأسد على حد سواء.
ولا تعد هذه الواقعة معزولة في الفضاء الإعلامي التركي، إذ واجه كاتب العمود في صحيفة “يني شفق” المقربة من الحكومة التركية، إسماعيل كيليتش أرسلان، انتقادات حادة في مارس/أذار 2025 بعد وصفه العلويين السوريين بعبارات مسيئة واصفاً إياهم بـ “كلاب الإمبريالية”، مما يعكس عمق الأزمة الخطابية والسياسية المرتبطة بالملف السوري داخل تركيا.

