تواجه الخطوط الجوية التركية تساؤلات متزايدة ومراجعة دقيقة لبروتوكولات الأمان والسلامة الخاصة بأطقمها الطائرة، وذلك على خلفية وقوع حادثتين منفصلتين في كل من أستراليا وبلجيكا، أسفرتا عن إلغاء رحلات دولية وإنزال الركاب بعد ثبوت تعاطي طيارين للكحول قبيل الإقلاع.
وتثير هذه التطورات قلقاً متزايداً بشأن آليات الرقابة الداخلية والخطوات المتبعة للتعامل مع متجاوزي القوانين الصارمة للسلامة الجوية.
واقعة ملبورن.. شكوك في المقصورة واختبار قبل الإغلاق بخمس دقائق
شهدت مدينة ملبورن الأسترالية فصول الواقعة الأولى، حيث كانت إحدى طائرات الخطوط التركية تستعد للإقلاع وعلى متنها أكثر من مئة راكب. وقبيل إغلاق الأبواب بوقت قصير، ساور الشك طاقم الضيافة والمقصورة بشأن تصرفات وسلوكيات قائد الطائرة، الطيار (ت. ت.). ولم يتردد الطاقم في إبلاغ مركز مراقبة العمليات في إسطنبول فوراً بالاشتباه.
وبناءً على هذا الإخطار العاجل، تدخلت فرق التفتيش التابعة لمطار ملبورن وصعدت إلى متن الطائرة لإجراء فحص الكحول لقائد الرحلة. وجاءت النتيجة الصادمة قبل خمس دقائق فقط من الموعد المحدد لإغلاق الأبواب، حيث أظهر الفحص وجود نسبة كحول بلغت 0.67 بروميل في دم قائد الطائرة، وتم تدوين هذه النتيجة رسمياً في سجلات المطار. وعلى الفور، جرى استبعاد الطيار من الخدمة وإلغاء الرحلة بالكامل، بينما نُقل الركاب إلى الفنادق لتأمين إقامتهم بعد إلغاء رحلتهم.
تداعيات مستمرة.. “راكب غير عامل” يشتري الويسكي في الجو
لم تتوقف الأزمة عند حدود إلغاء الرحلة؛ بل امتدت لتثير تساؤلات قانونية وإدارية معقدة في اليوم التالي. فقد أُدرج الطيار المستبعد (ت. ت.) في اليوم التالي للواقعة على رحلة أخرى متجهة إلى سنغافورة بصفته “راكباً غير عامل”.
وتشير التقارير الواردة إلى أن الطيار استغل وجوده في مطار ملبورن ليقوم بشراء زجاجة ويسكي من السوق الحرة بالمطار، ثم واصل تناول الكحول أثناء الرحلة الجوية. وقد قام طاقم الطائرة المعنية برصد هذا السلوك وكتابة تقرير منفصل بالواقعة الجديدة. وتجري الشركة حالياً تحقيقاً تأديبياً موسعاً للوقوف على كيفية تمكن الطيار من الوصول إلى مقصورة القيادة في المرة الأولى وهو مخمور، وكذا طبيعة الإجراءات والتدابير التي طُبقت بحقه خلال رحلته التالية كراكب. وتجدر الإشارة إلى أن عقد عمل الطيار لم يُفسخ رسمياً بعد، بانتظار ما ستسفر عنه نتائج التحقيق الإداري الجاري.
جبهة بلجيكا.. قرار قضائي يحظر طياراً آخر في بروكسل
وفي سياق متصل، لم تكن حادثة أستراليا معزولة؛ إذ شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل واقعة مشابهة وضعت هيبة الشركة على المحك. فخلال التجهيز للرحلة رقم “TK1940” المتجهة من بروكسل إلى إسطنبول، خضع مساعد الطيار لفحص الكحول وجاءت نتيجته إيجابية.
وعلى إثر ذلك، أُخطرت المديرية العامة للطيران المدني البلجيكي ونيابة “هالي-فيلفوردي“ بتفاصيل الحادثة. وبادرت النيابة العامة البلجيكية باتخاذ إجراءات حازمة شملت فرض حظر طيران على مساعد الطيار لمدة أربع وعشرين ساعة، مما ترتب عليه إلغاء الرحلة بالكامل بعد استكمال الإجراءات الرسمية والقانونية المتبعة في مثل هذه الحالات.
تحليل سياقي.. بروتوكولات السلامة الجوية تحت المجهر
تطرح هذه الحوادث المتزامنة تساؤلات جوهرية ومحورية حول فاعلية الرقابة والتدقيق داخل الخطوط الجوية التركية وفي قطاع الطيران عموماً. ففي حين تُظهر سرعة استجابة أطقم الضيافة يقظة عالية في تدارك الكوارث المحتملة، فإن تكرار رصد حالات إيجابية لتعاطي الكحول بين الطيارين يشير إلى حاجة ماسة لمراجعة الأنظمة الصارمة التي تحكم سلوك الطيارين قبل الصعود إلى قمرة القيادة.
وتفرض سلطات الطيران الدولية عادة معايير صارمة للغاية فيما يتعلق بوجود الكحول في دم أفراد الطاقم، حيث يؤثر تعاطي الكحول بشكل مباشر على سرعة الاستجابة والتركيز الذهني واتخاذ القرار، وهي مقومات حرجة لا يمكن التهاون فيها أثناء قيادة الطائرات التجارية التي تحمل مئات الأرواح. ويظل التحدي الأكبر أمام الخطوط التركية هو طمأنة المسافرين وإثبات قدرتها على تطبيق تدابير ردعية تمنع تكرار مثل هذه الاختراقات القانونية والأخلاقية.

