أعلن حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، أنه سيغلق مقره الإقليمي في إسطنبول بعد دخول وصي قضائي إلى المبنى تحت حماية الشرطة، وهو ما أدى إلى اندلاع مواجهات مع أنصار الحزب.
وبحسب بيان الحزب، فإن المبنى المحاصر بقوات الأمن منذ مساء الأحد لم يعد مقراً إقليمياً، وتم إبلاغ كل من مكتب والي إسطنبول ومحكمة التمييز بعنوان مقر جديد سيعمل كمكتب إقليمي.
في المقابل، جرى تصنيف المبنى السابق كمكتب عمل لرئيس الحزب أوزجور أوزيل في إسطنبول، وفق ما أكده نائب رئيس الكتلة البرلمانية مراد أمير، الذي قال: “الشخص الموجود بالداخل لا يشغل مقر الحزب في إسطنبول، بل يحتل مكتب رئيس الحزب المحاصر بالشرطة“.
دخول الوصي القضائي وموجة الاعتقالات
الاشتباكات اندلعت صباح الاثنين مع دخول غورسل تكين، القيادي السابق في الحزب الذي عينه القضاء الأسبوع الماضي على رأس لجنة وصاية مؤقتة، إلى المبنى برفقة قوات الشرطة. وقد تصدى له أنصار الحزب، ما أدى إلى مشادات عنيفة واستخدام الشرطة للغاز المسيل للدموع.
مراسل وكالة الصحافة الفرنسية أفاد بأن عدداً من المتظاهرين أصيبوا بحالات إغماء ونقلوا لتلقي العلاج، فيما اعتقل ما بين عشرة وعشرين شخصاً. كما وقعت اشتباكات بين أنصار تكين وأعضاء آخرين في الحزب عند الحواجز الأمنية، لتتدخل الشرطة وتنقل مؤيديه في مركبة رسمية وسط احتجاجات أعاقت حركتها لفترة وجيزة.
الموقف الحكومي والتحقيقات القضائية
وزير الداخلية علي يرلي قايا دافع عن تدخل الشرطة قائلاً إن “تجاهل قرارات المحاكم ومحاولة حشد الناس في الشوارع يشكل تحدياً صريحاً لسيادة القانون”. فيما أعلن وزير العدل يلماز تونج فتح تحقيقات قضائية حول أحداث الاشتباك والمنشورات “التحريضية” على وسائل التواصل الاجتماعي.
حظر التجمعات وتقييد المنصات الرقمية
مكتب والي إسطنبول فرض حظراً على التجمعات في ستة أحياء مركزية حتى العاشر من سبتمبر، استناداً إلى الحكم القضائي الذي أطاح بالقيادة الإقليمية للحزب. وأغلقت الشرطة الطرق المؤدية إلى المقر في منطقة شيشلي، ومنعت حتى النواب من الدخول
بالتوازي، شهدت البلاد تقييداً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي منذ ليل الأحد، شمل منصات “إكس” و”يوتيوب” و”إنستغرام” و”فيسبوك” و”تيك توك” و”واتساب”. وأكدت مؤسسة “نتبلوكس” استمرار الحجب حتى مساء الاثنين، فيما أشارت جمعية حرية التعبير إلى أن “تلغرام” و”سيغنال” تأثرا أيضاً.
الخبير القانوني في مجال الإنترنت يامان أكدينيز اعتبر أن إدراج “واتساب” ضمن المنصات المحجوبة “يمثل انتهاكاً خطيراً للاتصالات الخاصة، خاصة في أول أيام العام الدراسي“.
خلفية الأزمة ومخاطر التوسع
الأزمة الراهنة تعود إلى حكم صادر عن محكمة إسطنبول المدنية في الثاني من سبتمبر، ألغى نتائج مؤتمر الحزب الإقليمي لعام 2023 وأطاح برئيسه الإقليمي أوزجور تشيليك وفريقه، وعين لجنة مؤقتة بقيادة غورسل تكين. بعض المعينين رفضوا المنصب، فيما قبل تكين المهمة، الأمر الذي دفع الحزب إلى طرده.
الأحداث تأتي قبل جلسة مرتقبة في أنقرة في 15 سبتمبر قد تسفر عن إلغاء مؤتمر الحزب الوطني الذي عقد في نوفمبر 2023، وهو ما يهدد بإطاحة أوزجور أوزيل من رئاسة الحزب. أوزيل وصف هذه الإجراءات بأنها “انقلاب قضائي” يستهدف تصفية المعارضة عبر القضاء.
أبعاد سياسية ودولية
حزب الشعب الجمهوري، الذي صعد بقوة بعد فوزه في الانتخابات البلدية لعام 2024، يتعرض منذ مارس لحملة اعتقالات ومحاكمات واسعة، طالت خمسة عشر رئيس بلدية بينهم عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يقضي حالياً عقوبة السجن بتهم فساد اعتبرتها منظمات حقوقية ذات دوافع سياسية.
الضغوط القضائية والسياسية المتصاعدة دفعت مسؤولين أوروبيين إلى دق ناقوس الخطر. فقد حذّر مقرر البرلمان الأوروبي لشؤون تركيا، ناتشو سانشيز آمور، من أن إقصاء أوزيل من قيادة الحزب سيكون بمثابة “المسمار الأخير في نعش التعددية الحزبية التركية“.

