يرى الكاتب الصحفي التركي المخضرم البروفسور ممتازر توركونه أن القرار الأخير الصادر عن حزب العمال الكردستاني (PKK) بشأن وقف العمل المسلح يجب أن يُقابل بتأسيس مناخ سياسي أكثر ليونة. وهو ما لمح إليه الرئيس رجب طيب أردوغان بحديثه عن العودة من “قاعدة” الوصاية على البلديات إلى وضعها “الاستثنائي”، في إشارة إلى التخلي عن سياسة فرض الوصاية على البلديات المنتخبة.
يستدرك الكاتب، في مقاله بموقع “ترك بوست” قائلا: “لكن في الوقت ذاته، تأتي إشارات أخرى معاكسة؛ فحديث أردوغان نفسه تضمّن إشارات إلى توسيع التحقيقات ضد بلديات معارضة، وعلى رأسها بلدية إسطنبول بقيادة أكرم إمام أوغلو. الخطاب نفسه الذي وُصف بأنه «يُمهّد للتهدئة»، حمل في طياته تحذيرات مبطّنة من خطر «تنظيم أخطبوطي» يُهدد الدولة ويمتد في البلديات، والإعلام، والبيروقراطية، والاقتصاد والاستخبارات، بل حتى الجماعات الإسلامية، وفقا لأردوغان”.
التصعيد القضائي: أداة “القصر” الوحيدة لإدارة الصراع
يشير توركونه إلى أن القصر الرئاسي بات يفتقر لأي أدوات سياسية فعالة لإدارة الحكم. ولم يعد في جعبة السلطة سوى القضاء كأداة وحيدة للضبط والتأثير السياسي. لكن هذه الأداة ـ كما يوضح ـ تؤدي إلى نتائج عكسية أكثر مما تحققه من أهداف، وتساهم في تعميق المأزق السياسي والشرخ المجتمعي.
ويصف الحكم من خلال القضاء بأنه “أضعف وأفقر أشكال الحكم”، حيث يُستبدل الفعل السياسي بالاجتياح القانوني الذي لا ينتج سياسات بل يعزز الانسداد.
السلطة بين اليد الحديدية والقفاز المخملي: هل تصلح الثنائية؟
يلفت توركونه إلى أن الأنظمة السلطوية كثيرًا ما تجمع بين اللين والتصلب، فيما يشبه “القفاز الحريري الذي يخفي القبضة الحديدية”. لكن في حالة تركيا الحالية، فإن السلطة تفتقد لمكونات القفاز والمطرقة معًا. فلا مشروع سياسي، ولا قدرة على المناورة، ولا حتى جهاز حزبي متماسك أو إعلام فعال أو بيروقراطية مُنضبطة.
ويُشبه حال السلطة اليوم بـالحكم المختنق داخل درع القضاء، الذي يُشلّ حركته ويجعله عاجزًا عن التجدد أو التنفس، وفقا لتوركونه.
أزمة القيادة: لا مشروع، لا أمل، لا حكاية
يعتقد توركونه أن السلطة تعاني اليوم من فراغ كامل في “السردية السياسية”. فحتى الاقتصاد لم يعد في يدها، بعد أن أُسند لوزير المالية محمد شيمشك، الذي كُسرت أدواته بعد عملية 19 مارس التي اعتقل فيها أكرم إمام أوغلو. أما ملف القضية الكردية، فهو نتاج ضغط وتحرك من حزب الحركة القومية (MHP) وزعيمه دولت بهجلي، بينما القصر الرئاسي يركب الموجة لا أكثر.
ويؤكد الكاتب أن السلطة لا تملك اليوم لا تنظيمًا حزبيًا فعالًا، ولا كتلة برلمانية مبادرة، ولا إعلام مؤثر، ولا حتى مستشارين قادرين على تقديم حلول.
قضية يلماز أوزديل: 301 مثال آخر على تناقضات العدالة
ينوه توركونه بفتح تحقيق بحق الصحفي المعروف يلماز أوزديل على خلفية تصريحه أن “الدولة لم تعد تملك صفات الدولة” بعد إعلان حزب العمال الكردستاني وقفه للنشاط المسلح. ويواجه أوزديل تهمة إهانة الدولة بموجب المادة 301 من القانون الجنائي التركي.
لكن الكاتب يرى أن تصريح أوزديل هو بالعكس يحمل في طيّاته تمجيدًا للدولة وانتقادًا لمُديريها، وليس للدولة ككيان. ويذهب إلى أن هذه المادة تعكس فلسفة حماية السلطة لا الدولة، وهي من بقايا عقلية الأنظمة التسلطية، التي لم تعد تجد لها موطئ قدم في الدول المتقدمة.
ويشير بحدة إلى المفارقة: أوزديل، الذي ساهم بامتياز في إضعاف المعارضة وتقسيمها، يُفترض أن يكون من الشخصيات التي تسعى السلطة إلى حمايتها لا ملاحقتها.
المفارقة الكبرى: كلما تصاعد القمع، تصاعدت مقاومة الشارع
يقول توركونه: “كلما استخدمت السلطة وسائلها القضائية لإسكات المعارضة، ازدادت المعارضة شراسةً وتنظيماً. حيث إن القمع لا ينجح في إضعاف المعارضة بل يمنحها “شرعية مظلومية” تُقوي تماسكها أمام الجمهور”.
ودافع توركونه أن أي تصعيد جديد سيمنح المعارضة ـ وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري (CHP) ـ مشروعية أكبر لتبني خطاب هجومي، ورفع مطلب الانتخابات المبكرة إلى رأس الأجندة السياسية.
الاختناق السياسي يفتح باب “العفو” والنقاش الدستوري
ينهي توركونه تحليله بالتأكيد على أن تركيا تُقبل على منعرج حاسم، حيث الحديث عن “عفو عام” بدأ يطفو على السطح، ومعه احتمال الانتقال إلى نظام برلماني أو نصف رئاسي. لكن السبب العميق، كما يرى، هو فقدان النظام القائم لأي أفق للحكم الفعلي، واندفاعه نحو خيار وحيد: الانتخابات المبكرة كمهرب من الأزمة.

