وضعت تركيا استمرار وقف إطلاق النار في شمال وشرق سوريا في صلب مقاربتها لملف نقل معتقلي تنظيم داعش، معتبرة أن أي تصعيد عسكري متزامن مع هذه العملية قد يفتح الباب أمام فوضى أمنية جديدة.
وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وفق قناة “أن تي في” التركية، أن الحفاظ على الهدوء الميداني ضروري لتفادي نشوء فراغ أمني خلال عمليات النقل المرتقبة إلى العراق.
وشدد الوزير على أن تحريك آلاف المعتقلين في بيئة غير مستقرة ينطوي على مخاطر كبيرة، لافتًا إلى أن التهدئة القائمة بين القوات الحكومية السورية والقوات الكردية قد تحتاج إلى تمديد، ريثما تُستكمل ترتيبات النقل وتثبيت السيطرة على مراكز الاحتجاز.
شبكة سجون ومعسكرات تحت سيطرة “قسد”
تسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» على منظومة واسعة من السجون والمخيمات في شمال شرقي البلاد، تضم آلاف المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية، إلى جانب أفراد من عائلاتهم. هذه المنظومة شكّلت لسنوات عبئًا أمنيًا وإنسانيًا معقّدًا، في ظل غياب حل دولي نهائي لكيفية التعامل مع المحتجزين.
ويأتي النقاش حول نقل هؤلاء المعتقلين في وقت تتزايد فيه المخاوف من محاولات هروب أو تمرد داخل السجون، خاصة إذا ترافقت العملية مع اشتباكات أو تغييرات مفاجئة في خطوط السيطرة.
تسليم سجون وانتقال السيطرة
ضمن هذا السياق، تسلّمت القوات الحكومية السورية مؤخرًا سجن العقطان في ريف الرقة، أحد المراكز التي تضم نحو ألفي معتقل من عناصر التنظيم، وذلك بعد انسحاب القوات الكردية بموجب ترتيبات تسليم مرتبطة باتفاق أوسع لإعادة انتشار القوى المسيطرة في المنطقة.
وجاءت هذه الخطوة بعد عملية مماثلة شملت منشأة احتجاز في الشدادي، حيث شهدت المرحلة الانتقالية هناك فرار عدد من المعتقلين بشكل مؤقت، ما عزز المخاوف من هشاشة الوضع الأمني خلال فترات نقل المسؤولية.
توافق إقليمي ودولي حذر
تتم عملية نقل معتقلي التنظيم في ظل تفاهمات بين بغداد وواشنطن، وافقت بموجبها الحكومة العراقية على استقبال هؤلاء المعتقلين، في حين أبدت دمشق دعمها للخطة. ويُنظر إلى هذه التفاهمات باعتبارها محاولة لتقاسم عبء ملف شائك طالما أُجّل بسبب تعقيداته القانونية والأمنية والسياسية.
غير أن نجاح هذه الخطوات يبقى مرهونًا بقدرة الأطراف المعنية على ضبط الأرض ومنع استغلال أي ثغرة من قبل خلايا التنظيم النائمة.
الموقف التركي من “قسد”
ترى أنقرة في «قوات سوريا الديمقراطية» امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، الذي تخوض معه صراعًا مسلحًا منذ عقود. وعلى هذا الأساس، نفذت تركيا مرارًا عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية والعراقية، مؤكدة أن أهدافها تتركز على تحييد ما تصفه بالتهديدات الإرهابية العابرة للحدود.
وفي الوقت نفسه، تحاول أنقرة الموازنة بين هواجسها الأمنية وبين متطلبات الاستقرار الإقليمي، خصوصًا في ظل حساسية ملف معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية.
مرحلة إعادة تموضع في سوريا
تتزامن هذه التطورات مع مساعي السلطات السورية الجديدة إلى بسط سيطرتها على مناطق بقيت لسنوات خارج نفوذها المباشر، ومع نقاشات إقليمية متزايدة حول مستقبل الإدارة والأمن في شمال شرقي سوريا. ويُعد ملف المعتقلين أحد أكثر العناوين قابلية لإشعال اضطرابات جديدة إذا لم يُدار بحذر.
في هذا الإطار، يبدو أن الرهان التركي يقوم على أن استمرار التهدئة هو الضامن الوحيد لمرور هذه المرحلة دون انتكاسات أمنية قد تعيد المنطقة إلى مربع الفوضى.
خلاصة
ترى أنقرة أن وقف إطلاق النار في شمال شرقي سوريا يشكل صمام أمان حاسمًا خلال نقل معتقلي تنظيم داعش إلى العراق. وبين إعادة رسم خرائط السيطرة وتبادل المسؤوليات، يبقى الاستقرار الهش مرهونًا بإدارة دقيقة لواحد من أكثر الملفات الأمنية تعقيدًا في المنطقة.

