على مدار عقدين من الحكم، استثمر حزب العدالة والتنمية (AKP) في تكوين “جيل متدين”، عبر سياسات تربوية ودينية مكثفة، توسع في المدارس الدينية، ودعم غير محدود للمؤسسات الدينية الرسمية والطرق الصوفية، إلا أن الواقع اليوم يعكس مشهدًا مغايرًا تمامًا.
تشير بيانات مؤسسة “كوندا” (KONDA) للأبحاث إلى تراجع واضح في معدلات التدين وارتفاع ملحوظ في نسب اللادينية والإلحاد، مما يطرح تساؤلات حاسمة حول فعالية هذه السياسات.
نتائج استطلاع “كوندا”: التدين يتراجع رغم الجهود الضخمة
كشفت دراسة “أنماط الحياة” التي أجرتها شركة كوندا في أكتوبر 2024 أن نسبة من يعرفون أنفسهم بأنهم “متدينون” تراجعت من 55% عام 2008 إلى 46% عام 2025. في المقابل، ارتفعت نسبة من يعرّفون أنفسهم بأنهم “ملحدون أو غير مؤمنين” من 2% إلى 8% خلال الفترة نفسها. هذه الأرقام تُعد بمثابة مؤشر واضح على تغير عميق في الهوية الدينية داخل المجتمع التركي.
المدارس الدينية تنتشر، لكن الوعي الديني لا يزداد
شهدت فترة حكم حزب العدالة والتنمية قفزات كبيرة في عدد مدارس “الإمام الخطيب”، التي تهدف إلى إعداد أجيال متمسكة بالقيم الدينية. لكن رغم هذا التوسع، تُظهر المؤشرات أن هذه المدارس لم تنجح في تعزيز التدين بالمجتمع، خصوصًا بين الشباب. يبدو أن هناك فجوة متزايدة بين السياسات التعليمية التي تتبنى الطابع الديني وتطلعات الجيل الجديد الأكثر ميلًا للحرية والاستقلالية الفكرية.
ميزانيات ضخمة لهيئة الشؤون الدينية… وتأثير محدود
ارتفعت ميزانية رئاسة الشؤون الدينية التركية (ديانت) خلال السنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق، لتصبح من أعلى ميزانيات المؤسسات الحكومية. وقد أُطلقت مئات البرامج والمشاريع الدعوية، غير أن الدراسة تؤكد أن هذا الإنفاق لم يُترجم إلى ارتفاع في مستوى التدين أو زيادة في الالتزام الديني، ما يثير تساؤلات حول كفاءة وفاعلية استخدام هذه الموارد.
الدعم السياسي للطرق الصوفية محل جدل واسع
تلقت العديد من الطرق الصوفية والجماعات الدينية دعمًا سياسيًا واقتصاديًا مباشرًا خلال حكم حزب العدالة والتنمية. وكان يُنظر إلى هذه الجماعات كمحركات رئيسية لنشر القيم المحافظة في المجتمع. إلا أن نتائج شركة كوندا تفيد بأن هذه البُنى لم تُفلح في تحقيق اختراق اجتماعي واسع، وربما ساهمت حالات الفساد والفضائح المرتبطة ببعضها في تقويض ثقة المجتمع بها.
الشباب يعارضون تسييس الدين وتدخله في المجال العام
تشير التحليلات إلى أن الشباب التركي، لا سيما في المدن الكبرى، بات أكثر ابتعادًا عن الخطاب الديني الرسمي؛ فالإصرار على فرض الدين في الفضاء العام، بحسب بعض المراقبين، أدى إلى نتائج عكسية، حيث يُنظر إلى ذلك كنوع من التقييد للحريات الشخصية، ما دفع الشباب إلى الانخراط في توجهات أكثر تحررًا وعلمانية.
تحولات اجتماعية أعمق من السياسات الدينية
رغم ضخامة مشاريع “الجيل المتدين”، يبدو أن التحولات الاجتماعية مثل التمدن، والرقمنة، وتنامي النزعة الفردية، وارتفاع نسب التعليم، تفوقت على التأثيرات المؤسسية للدين. المجتمع يتحرك في اتجاهات جديدة، بينما السياسات الحكومية بقيت أسيرة منطق التلقين والمركزية.
الهوية الدينية تتغير… والسياسة عاجزة عن اللحاق
تُظهر أرقام شركة كوندا أن تركيا تمر بتحول بنيوي في علاقتها مع الدين؛ فمشاريع الهيمنة الرمزية من خلال المؤسسات الدينية والدعوية لم تعد قادرة على التأثير كما في السابق، الأمر الذي يعكس عجز السياسات الدينية الرسمية عن مواكبة الواقع الاجتماعي المتغير.

