في قراءة تحليلية قدّمها الكاتب والمفكر السياسي التركي البارز ممتازر توركُونه، برزت رؤية جديدة لطبيعة التحولات الجارية في تركيا، متوقعًا أن الرئيس رجب طيب أردوغان يسير نحو إجهاض مسار “الحلّ الكردي”، فيما يستعد رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي لتوجيه البلاد نحو انتخابات مبكرة في حال استمرار التعثر في هذا المسار.
مشروع قومي جديد بين بهجلي وأوجلان
بحسب توركُونه، فإن ما يجري ليس مجرد تقارب سياسي ظرفي، بل هو محاولة لبناء جمهورية تركية جديدة تقوم على مفهوم قومي مغاير لما عرفته الجمهورية الأولى. وأكد أن دولت بهجلي، إلى جانب زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان، يقودان معًا مشروعًا لبناء دولة قومية حديثة، تقوم على مبدأ شراكة بين الأتراك والأكراد بوصفهم “شعبًا واحدًا”.
وأضاف: “هذا هو جوهر عملية الحلّ: بناء أمة تركية جديدة تعترف بوجود الأكراد وهويتهم، دون أن يتم ذلك على أساس إثني، بل من خلال اندماج كامل في هوية وطنية موحدة”.
ورأى أن جميع مراحل عملية الحل التي جرت حتى الآن كانت نتيجة إصرار بهجلي ومناورات أردوغان لإضاعة الوقت، لافتًا إلى أن نجاح المشروع يتطلب التزامًا حقيقيًا بالدستور وسيادة القانون.
إعادة تعريف الأمة: من الإثنية إلى المواطنة
اعتبر توركُونه أن تركيا تمر اليوم بمرحلة إعادة تعريف جذري للأمة، إذ يجري العمل على تأسيس جمهورية تعكس إرادة مشتركة بين الأتراك والأكراد، قائمة على احترام الحقوق والحريات الأساسية، وتابع: “ما نعيشه اليوم هو عملية بناء لأمة جديدة تتجاوز الهويات الإثنية، تؤسس لشراكة دستورية بين مكونات المجتمع، وتعيد صياغة مفهوم الدولة القومية.”
وشدد توركونه على أن هذا المشروع لا يكتمل إلا بدعم شعبي، وبضمانات قانونية تجعل من الدستور والحقوق الأساسية صمّام أمان للأقليات، خصوصًا الأكراد، في مواجهة هيمنة الأغلبية العددية.
بهجلي: حجر الزاوية في المرحلة المقبلة
في هذا السياق، يرى توركُونه أن دولت بهجلي هو الفاعل السياسي الأهم اليوم في تركيا، وأنه يتصرف من منطلق رؤية استراتيجية واضحة: “بهجلي لا يتسامح مع أي محاولة لتعطيل عملية الحلّ، وهو يقف بحزم أمام أي انحراف عنها. إنه يقود المشروع بمنطق الدولة، لا بمنطق المعارضة الحزبية.”
ولفت إلى أن بهجلي يتبنى رؤية تدعو إلى دمج الهويتين التركية والكردية في بنية قومية موحدة، مشددًا على أن هذا الطرح يتطلب نظامًا قانونيًا صارمًا يحمي الحقوق ويمنع التغول السلطوي.
أوجلان شريك في المشروع: تحوّل في الخطاب الكردي
أشار توركُونه إلى أن عبد الله أوجلان يلعب دورًا متكاملاً مع بهجلي في بلورة هذا المشروع القومي الجديد، مؤكدا أن موقف أوجلان الأخير الصادر بتاريخ 27، يعكس تحوّلًا كبيرًا في خطاب الحركة الكردية نحو المشاركة في بناء الدولة، بدل مواجهتها.
وذكر أن ما يجري في تركيا اليوم يتماهى مع النموذج الغربي للدولة القومية الحديثة، التي تقوم على احترام الحقوق، وفصل السلطات، واستقلال القضاء، منوهًا بأن ذلك يمثل “فرصة تاريخية” لتركيا، خصوصًا في ظل المتغيرات الإقليمية الجارية في سوريا والعراق.
معضلة أردوغان: بين الحكم الفردي والانفتاح الديمقراطي
في المقابل، زعم توركُونه أن أردوغان يقف أمام مفترق طرق حاسم، إذ عليه أن يختار بين الاستمرار في نهج الهيمنة والاستبداد، أو التحول نحو دعم مشروع الدولة القانونية: “الخيار الأول يعني مواصلة الحكم عبر أدوات القمع والخوف، دون دعم شعبي ولا غطاء اقتصادي. أما الخيار الثاني فهو الانفتاح على عملية الحلّ، والعودة إلى الدستور والمؤسسات.”
ولفت إلى أن هذا الخيار الثاني لا يُبقي مكانًا للاتهامات بالدكتاتورية، بل يُنهي مظاهر الحكم الفردي تمامًا. ومع ذلك، ادعى توركُونه أن أردوغان ما زال يفضل الخيار الأول، رغم أن الاقتصاد لم يعد يتحمّل هذا المسار السلطوي، وأن بهجلي لن يستطيع دعمه في هذا الطريق.
القضاء والعدالة: الضمانة الوحيدة لمشروع الحلّ
وقال توركُونه إن التجارب السابقة، وخصوصًا تجربة النائب السابق سِرّي سورَيّا أوندر الذي شارك في مسار الحل ثم سُجن لاحقًا، تؤكد أن غياب القانون يمثل تهديدًا وجوديًا لكل من يشارك في هذا المشروع، وواصل: “الجميع يعلم أن ضمانة هذا المشروع الوحيدة هي القانون. لا يمكن بناء جمهورية جديدة دون نظام قضائي مستقل يحمي الحقوق.”
وشدّد على أن القانون أصبح قضية بقاء للدولة التركية، وأن مستقبل تركيا كدولة ديمقراطية لا يمكن تصوره إلا من خلال إرساء دعائم دولة القانون.
قضية إمام أوغلو: اختبار لمصداقية المسار
في هذا الإطار، أشار توركُونه إلى أن قضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو تمثّل اختبارًا حاسمًا لمستقبل عملية الحلّ، وأعرب عن اعتقاده بأن بهجلي يرسل رسالة واضحة مفادها أن “هذه القضية سياسية ويجب إنهاؤها سياسيًا”.
وتوقع توركونه بأن استمرار اعتقال إمام أوغلو أو تعطيل عمله سيقوض أي محاولة لإنجاح الحل السياسي، وذكّر بأن السلطات لم تستطع تفعيل ملف “الاتفاق الحضري” (بين حزب الشعب الجمهوري وحزب الديمقراطية للشعوب المؤيد للأكراد)، ضده لعدم وجود أدلة كافية، لأنه لو حدث ذلك، كان سيتم تعيين وصي على بلدية إسطنبول، الأمر الذي كان سيقضي على مسار الحل تمامًا.
لا تواصل مباشر بين أردوغان وبهجلي
أخيرًا، ذكر توركُونه أنه لا توجد قنوات اتصال مباشرة بين أردوغان وبهجلي، مؤكدًا أن الطرفين يتواصلان عبر الإعلام فقط، دون وجود مؤشرات على تنسيق فعلي بينهما: “لا توجد أدنى إشارة على وجود توافق مباشر بين الرجلين. كل التصريحات والرسائل تمر عبر الإعلام، وهو ما يدل على غياب التفاهم السياسي الحقيقي.”
يرى مراقبون أن طرح ممتازر توركُونه يُعيد تعريف المشهد السياسي التركي، مقدمًا قراءة غير مألوفة لتحالفات السلطة والمعارضة، ومُبرزًا التحوّل العميق الذي قد يُفضي إلى ولادة جمهورية تركية جديدة، تشارك في صوغها كل مكونات المجتمع، وتُبنى على أسس قانونية صلبة، لا على المعادلات الطائفية أو الإثنية.

