يشهد الملف الكردي في تركيا والمنطقة منعطفاً جديداً مع إعلان القائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي رغبته في زيارة تركيا ولقاء زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في سجنه بجزيرة إمرالي، بالتزامن مع أول تحرّك برلماني تركي لزيارة أوجلان ضمن مبادرة سياسية تُوصف بأنها الأكثر جرأة منذ سنوات.
مظلوم عبدي: «جاهز للذهاب إلى تركيا»
رسائل سياسية من شمال سوريا إلى أنقرة
أكد عبدي في مقابلة مع الخدمة التركية لهيئة الإذاعة البريطانية أنّ المرحلة الحالية تتطلّب تواصلاً مباشراً مع أوجلان، مبدياً استعداده لزيارة تركيا إذا كان ذلك سيسهم في دفع العملية السياسية. وأوضح أن قيادات «قسد» و«الإدارة الذاتية» تتبادل الرسائل مع أوجلان عبر قنوات غير مباشرة، وأنه الجهة الوحيدة القادرة على توضيح وضع عناصر حزب العمال المنتشرين في شمال سوريا.
صلة الملف السوري بعملية السلام
ربط عبدي التطورات الجارية في تركيا بمشهد الشمال السوري، موضحاً أن وقف الاشتباكات بين قواته والجيش التركي يعود جزئياً إلى الخطوات السياسية التي تشهدها تركيا. ورأى أنّ نجاح المسار التركي قد يرسّخ وقف إطلاق النار في سوريا، خصوصاً بعد اتفاق «قسد» مع السلطات السورية الجديدة في مارس الماضي على مسار لدمج قواتها في الجيش السوري، وإن بقيت الملفات الدستورية وحقوق المكونات معلّقة.
أوجلان في قلب المشهد مرة أخرى
زيارة برلمانية غير مسبوقة إلى إمرالي
أطلقت تركيا في أغسطس مبادرة «التضامن الوطني والأخوّة والديمقراطية»، التي تشرف عليها لجنة برلمانية تضم واحداً وخمسين نائباً من أحزاب مختلفة. وصوّتت اللجنة على إرسال وفد مصغّر إلى إمرالي للحصول على رؤية أوجلان حول جذور النزاع، ومستقبل التخلي عن السلاح، وما يلزم من إصلاحات قانونية في المرحلة المقبلة.
ورغم تضارب الأنباء حول ما إذا كانت الزيارة قد تمت بالفعل، فإن وسائل إعلام كردية ومعارضة تحدثت عن نقل الوفد عبر مروحية من إسطنبول إلى الجزيرة وعودته في اليوم نفسه مع محضر مكتوب للاجتماع، فيما نفت جهات إعلامية أخرى حدوث الزيارة مؤكدة أنها لم تجرِ بعد. ويظل الصمت الرسمي من رئاسة البرلمان ووزارة العدل عاملاً يزيد الغموض المحيط بالخطوة.
تركيبة اللجنة وخلافاتها الداخلية
اللجنة يرأسها رئيس البرلمان نعمان كورتولموش من حزب العدالة والتنمية، وتضم نواباً من الحزب الحاكم ومن حزب الحركة القومية، ومن حزب «اليسار الديمقراطي الجديد» وحزب «العمال» إلى جانب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب. وقد امتنعت المعارضة العلمانية ممثلة بحزب الشعب الجمهوري عن المشاركة في التصويت على الزيارة، بينما قاطع حزب «الخير» القومي اللجنة منذ تأسيسها، واعتبر إرسال نواب إلى أوجلان «إهانة وخيانة لضحايا الهجمات».
حزب العمال الكردستاني: مرحلة «حل سياسي» بعد إعلان وقف القتال
من السلاح إلى تفكيك التنظيم
شهد مطلع عام 2025 إعلاناً مفاجئاً من أوجلان أعقبته هدنة من جانب حزب العمال الكردستاني، ثم إعلان رسمي عن تفكيك التنظيم وإنهاء الكفاح المسلح المستمر منذ ثمانينيات القرن الماضي. وقد عزّزت مشاهد إحراق بعض المقاتلين لأسلحتهم في شمال العراق صورة التحوّل الذي تقول أنقرة إنه يمهّد لتركيا «خالصة من الإرهاب».
موقف قيادات الحزب من الخلافات السياسية التركية
انتقد القيادي البارز في الحزب، مراد قره يلان، موقف حزب الشعب الجمهوري الرافض للزيارة معتبراً أنه «خطأ جسيم»، محذراً من تبعاته. ودعا أنقرة إلى الانتقال إلى «مرحلة ثانية» تقوم على إجراءات تشريعية وقضائية، معتبراً أنّ أي حل لا يمكن أن يتحقق من دون الاستماع إلى أوجلان بشكل مباشر.
انقسامات داخل المشهدين التركي والكردي
صراع الروايات داخل تركيا
ترافق قرار الزيارة مع سجالات عنيفة داخل البرلمان التركي؛ إذ اتهم نواب «الخير» الحكومة وحليفتها الحركة القومية «بخيانة دماء القتلى» في هجمات الحزب، ورفع بعض النواب صور معلمين قضوا في عمليات سابقة. وفي المقابل، ترى أحزاب موالية للحكومة أن الزيارة تمثل «شجاعة سياسية»، بينما يطالب حزب الشعب الجمهوري بضمانات للشفافية قبل أي خطوة.
نقاشات داخل الحركة الكردية
داخل الأوساط الكردية أيضاً تشهد اللحظة الراهنة نقاشات حول الرمزية واللغة المستخدمة في مسار «الأخوّة» الذي تطرحه الحكومة، مع مخاوف من أن تتحول الاحتفالات والطقوس الرمزية إلى بديل عن إصلاحات عميقة تتعلق بالهوية والحقوق وإعادة بناء الثقة.
البعد السوري: عقدة لا يمكن تجاوزها
موقف أنقرة من هياكل «قسد»
تشدد تركيا على أن أي تسوية مع أوجلان أو الحزب لا يمكن أن تتجاهل وجود الهياكل المسلحة المرتبطة به في سوريا، وعلى رأسها وحدات حماية الشعب التي تعدّ المكوّن الأساسي لـ«قسد». وتطالب أنقرة بتجريد هذه الهياكل من السلاح تماشياً مع دعوة أوجلان، بينما يؤكد عبدي أن دوره سيكون «مسانداً للمسار لا معرقلاً له».

