تكشف أحدث الدراسات الاجتماعية في تركيا عن صورة مركبة للتدين، حيث يظل الإيمان بالله راسخاً على نطاق واسع، في مقابل تراجع نسبي في الالتزام بالممارسات الدينية اليومية، وهو ما يعكس تحولات عميقة في العلاقة بين الفرد والدين داخل المجتمع التركي المعاصر.
الإيمان حاضر بقوة… والممارسة أقل انتظاماً
بحسب تقرير “الإيمان والتدين في تركيا” الصادر عن İSAR Publications، فإن الغالبية الساحقة من الأتراك ما تزال تؤمن بالله، إذ بلغت نسبة المؤمنين نحو 94.05 بالمئة، كما أكد نحو 94 بالمئة أن الدين يشكل عنصراً مهماً أو بالغ الأهمية في حياتهم.
غير أن هذا الحضور القوي للإيمان لا ينعكس بالضرورة على السلوك الديني اليومي، حيث أفاد 40 بالمئة فقط من المشاركين أنهم يؤدون الصلوات الخمس بانتظام، مقابل شريحة واسعة لا تلتزم بالصلاة بشكل دائم، ما يكشف عن فجوة واضحة بين الاعتقاد والممارسة.
ممارسات جماعية أكثر حضوراً
على خلاف الصلاة اليومية، تبدو بعض الشعائر الدينية الجماعية أكثر انتشاراً مثل صلاة الجمعة حيث تشهد إقبالاً كبيراً بين الرجال، إذ يحرص 76 بالمئة منهم على أدائها بانتظام، وصيام شهر رمضان يحظى بانتظام ملحوظ أيضا، حيث يصوم 76 بالمئة من المشاركين أيضا.
هذا التباين يشير إلى أن الطقوس ذات الطابع الجماعي أو الموسمي لا تزال تحافظ على مكانتها، مقارنة بالممارسات الفردية اليومية التي تتطلب التزاماً مستمراً.
الفوارق بين الجنسين: النساء أكثر التزاماً
تظهر البيانات أن النساء في تركيا يتفوقن على الرجال في عدة مؤشرات دينية، فنحو نصف النساء يؤدين الصلاة اليومية بانتظام، مقابل ثلث الرجال تقريباً، وأكثر من أربعة أخماس النساء يلتزمن بالصيام خلال رمضان، مقارنة بنسبة أقل بين الرجال.
كما أن ارتداء الحجاب، بوصفه أحد أبرز مظاهر التدين العلني، يبلغ نحو 54 بالمئة بين النساء، لكنه ينخفض بشكل حاد بين ذوات التعليم العالي.
الدين والعمر والتعليم: علاقة عكسية مع الحداثة
تكشف الدراسة عن نمط واضح يربط التدين بالعمر والمستوى التعليمي، فكبار السن يظهرون مستويات أعلى من التدين، سواء في التعريف الذاتي أو في الالتزام بالشعائر. في المقابل، تنخفض هذه المؤشرات بشكل ملحوظ بين الشباب، خاصة الفئة العمرية بين 18 و24 عاماً.
كما يتراجع التدين كلما ارتفع المستوى التعليمي، إذ تنخفض نسبة المواظبين على الصلاة اليومية إلى مستويات متدنية بين الحاصلين على دراسات عليا، مع ارتفاع نسبة من لا يصلّون أو يصلّون نادراً.
هذا الاتجاه يعكس تأثير التمدن والتعليم العالي في إعادة تشكيل أنماط التدين، بما يدفع نحو أشكال أكثر فردية وأقل التزاماً بالشعائر التقليدية.
الجغرافيا تصنع الفارق
لا تتوزع مظاهر التدين بشكل متساوٍ داخل تركيا، بل تظهر فروقا إقليمية واضحة، فالمناطق الشمالية الشرقية تسجل أعلى معدلات الالتزام بالصلاة والصيام. في المقابل، تأتي منطقة إيجة في الغرب في أدنى المستويات.
كما أن سكان الأرياف أكثر التزاماً بالممارسات الدينية مقارنة بسكان المدن الكبرى، ما يعكس استمرار الفجوة بين المجتمع التقليدي والبيئة الحضرية الحديثة.
بين التدين والعلمانية: توافق اجتماعي لافت
رغم ارتفاع مؤشرات التدين، تكشف الدراسة عن قبول واسع لمبادئ العلمانية؛ فغالبية كبيرة ترى أن الدين يمكن ممارسته بحرية ضمن نظام علماني، في حين أن نسبة مماثلة تؤيد الفصل بين الدين والسياسة.
هذا التوازن يعكس خصوصية التجربة التركية، حيث يتعايش الانتماء الديني مع القبول بالإطار العلماني للدولة، في صيغة تجمع بين الهوية الدينية والنظام المدني.
فئة وسطى متنامية: لا متدينون ولا علمانيون بالكامل
تُظهر النتائج بروز شريحة اجتماعية لا تُصنّف نفسها بوضوح، إذ إن نسبة معتبرة ترى نفسها في منطقة وسطى بين التدين واللادينية، وهذه الفئة أكثر انتشاراً بين الشباب وذوي التعليم المرتفع، وهو ما يشير إلى تشكل هويات دينية مرنة تتجاوز التصنيفات التقليدية.
تحولات هادئة تعيد تشكيل المجتمع
تعكس هذه المعطيات تحولاً تدريجياً في بنية التدين داخل تركيا، حيث لم يعد الدين بالضرورة إطاراً صارماً للسلوك اليومي، بل بات أقرب إلى هوية ثقافية وروحية مرنة. وفي الوقت ذاته، تستمر الشعائر الكبرى في الحفاظ على حضورها، ما يدل على أن التغيير لا يعني القطيعة، بل إعادة تشكيل العلاقة مع الدين.

