أصدرت المحكمة الدستورية العليا في تركيا، بصفتها المحكمة الجنائية العليا، أحكاماً بالسجن تقارب13 شهراً بحق ثلاثة قضاة سابقين من أعضاء محكمة التمييز العليا، في قضية مثيرة للجدل تتعلق بتورطهم في محاكمات قضية “المطرقة ” (Balyoz)، إحدى أكثر القضايا العسكرية والسياسية حساسية في العقدين الماضيين.
وتأتي هذه الأحكام في سياق إعادة تقييم عدد من الملفات القضائية المرتبطة بحركة فتح الله كولن، والتي تتهمها أنقرة بالتغلغل داخل القضاء والمؤسسات الرسمية.
الأحكام الصادرة: إدانة ثلاثة قضاة وتبرئة آخر
المحكمة، التي انعقدت في جلستها الكبرى برئاسة القاضي قادير أوزكايا، أصدرت قراراتها بعد جلسة مطولة حضرها المتهمون ومحاموهم. القضاة المدانون هم أحمد توكر، وعبد الرحمن كافون وحمزة يامان.
وقد أُدين الثلاثة بتهمة “إساءة استخدام المنصب بشكل متكرر“ على خلفية دورهم في إصدار أحكام الإدانة الأصلية في قضية “المطرقة”. في المقابل، قضت المحكمة ببراءة القاضي أكرم أرطغرل لعدم كفاية الأدلة، كما تم فصل ملف القاضية فكرية شنتورك لعدم تنفيذ مذكرة توقيفها حتى الآن.
خلفية القضية: من اتهام الانقلاب إلى اتهام التواطؤ القضائي
تعود جذور القضية إلى عام 2010 حيث نشرت صحيفة “طرف”الليبرالية المغلقة حاليا ما وُصف بأنه تسريبات تكشف عن خطة انقلابية مزعومة جرى إعدادها عام 2003 من قبل مجموعة من ضباط الجيش التركي، تحت مسمى “المطرقة”، بهدف زعزعة استقرار البلاد وإطاحة حكومة حزب العدالة والتنمية (AKP) التي كانت حديثة العهد بالحكم حينها.
تمت محاكمة أكثر من300 ضابط عسكري، بينهم جنرالات متقاعدون، في إطار المحاكمة، التي حظيت آنذاك بدعم سياسي واسع من الحزب الحاكم، باعتبارها خطوة لكبح النفوذ العسكري المتغلغل في السياسة التركية.
لكن مسار المحاكمة تغيّر جذرياً عام 2014، عندما قضت المحكمة الدستورية بإلغاء الأحكام بدعوى انتهاك حق المتهمين في محاكمة عادلة، لتتم إعادة المحاكمة عام 2015، وتنتهي بقرارات تبرئة جماعية، قبل أن تعود محكمة الاستئناف في 2021 لإلغاء بعض تلك التبرئات وتصدر أحكاماً جديدة بالسجن بحق عدد محدود من الضباط، تم تثبيتها نهائياً في أبريل 2025.
تغيّر المواقف السياسية: من دعم المحاكمة إلى اتهام “التنظيم الموازي“
رغم أن حزب العدالة والتنمية كان من أبرز الداعمين لمحاكمات “المطرقة” في مرحلتها الأولى، بوصفها جزءاً من حملة تحديث مؤسسات الدولة وإخراج الجيش من المعادلة السياسية، إلا أنه بعد انقلابه السياسي على حركة كولن، بدأ يروج لرواية مفادها أن المحاكمات كانت مدبرة من قبل القضاة المحسوبين على الحركة.
وتتهم الحكومة القضاة الصادر بحقهم الحكم، بأنهم أصدروا قرارات الإدانة تحت تأثير حركة كولن، التي صُنفت في مايو 2016 كـ”تنظيم إرهابي”، وهي التسمية التي جاءت بعد اتهام الحركة بالوقوف وراء تحقيقات الفساد في 2013، ومن ثم محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، وهي الاتهامات التي تنفيها الحركة بشدة.
وقد أدلى اللواء المتقاعد بكر مميش، أحد المشتكين في القضية، بشهادته أمام المحكمة، متهماً القضاة بالعمل وفق توجيهات “التنظيم الموازي”، ومؤكداً أنه تعرض لأضرار شخصية جراء تلك الأحكام.
الحملة على القضاء: أكثر من 4,000 قاضٍ ومدعٍ عام تم عزلهم
منذ 2016، شنّت الحكومة التركية واحدة من أوسع حملات التطهير في تاريخ القضاء التركي، حيث تم عزل أكثر من 4,000 قاضٍ ومدّعٍ عام بدعوى ارتباطهم بحركة كولن.
وتُعد محاكمة القضاة في ملف “المطرقة” جزءاً من هذا السياق الأوسع، الذي يسعى إلى إعادة هيكلة المؤسسات القضائية وضمان ولائها السياسي، وفق ما يرى منتقدو السلطة.
المحاكمة: إسدال الستار على أحد أطول المسارات القضائية
استمر المسار القضائي لقضية “المطرقة” لأكثر من15 عاماً، منذ أولى التسريبات عام 2010 وحتى تثبيت الأحكام الأخيرة في 2025، متحولاً من ملف لمحاسبة “العسكر المتآمرين” إلى أداة لمحاكمة القضاة السابقين، في انعكاس واضح لتحولات المشهد السياسي والتحالفات الداخلية في الدولة التركية.

