عاد التوتر إلى واجهة المشهد في شمال شرق سوريا بعد إعلان قوات سوريا الديمقراطية تعرّض مدينة الحسكة لضربات بطائرات مسيّرة تركية. في المقابل، نفت مصادر أمنية تركية، وفق وكالة رويترز، بشكل قاطع تنفيذ أي هجوم من هذا النوع، ما فتح بابًا جديدًا للتباين في الروايات في منطقة تشهد أصلًا اضطرابًا أمنيًا وسياسيًا متزايدًا.
سياق أمني هش بعد اتفاق الدمج
تأتي هذه التطورات بعد يوم واحد فقط من إعلان اتفاق واسع بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، يهدف إلى إعادة إخضاع البُنى المدنية والعسكرية التي تقودها القوى الكردية لسلطة الدولة المركزية. الاتفاق، الذي يتكون من أربعة عشر بندًا، ينص على نقل إدارة المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز ومراكز احتجاز عناصر تنظيم الدولة الإسلامية إلى دمشق، إلى جانب دمج مقاتلي القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة.
أنقرة، الداعم الأبرز للحكومة السورية المؤقتة برئاسة أحمد الشرع، وصفت الاتفاق بأنه محطة تاريخية، معتبرة أن إعادة بسط سيطرة الدولة السورية تصب في مصلحة الاستقرار الإقليمي وأمن الحدود التركية.
خلافات مستمرة رغم الإعلان الرسمي
ورغم الإعلان عن الاتفاق، لم تُسجَّل اختراقات حقيقية على صعيد التنفيذ السياسي. فقد أفاد مسؤول في قوات سوريا الديمقراطية بأن اللقاء الذي جمع قائدها مظلوم عبدي بالرئيس السوري في دمشق لم يُحرز تقدمًا ملموسًا، مشيرًا إلى أن الحكومة السورية تصر على تفكيك الإدارة الذاتية الكردية بالكامل، وهو ما يزيد من تعقيد مسار الدمج.
السجون في قلب المواجهة
بالتوازي مع ذلك، اتهمت قوات سوريا الديمقراطية قوات مرتبطة بالحكومة السورية بمهاجمة مجمّع سجني في شمال شرق البلاد يضم آلاف المعتقلين من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية. وزارة الدفاع السورية ردّت بنفي استهداف أي سجون، مؤكدة أن تحركاتها العسكرية تندرج ضمن تأمين محيط هذه المواقع تمهيدًا لنقلها إلى إشراف وزارة الداخلية.
انسحابات مفاجئة وفراغات أمنية
ميدانيًا، عززت القوات الحكومية سيطرتها في مناطق استراتيجية مثل الرقة ودير الزور، عقب انسحاب مفاجئ للقوات الكردية من مواقعها. هذا التحول السريع في خطوط السيطرة ترافق مع مخاوف أمنية متزايدة، لا سيما في ظل ما أعلنته قوات سوريا الديمقراطية عن فرار عشرات من سجناء تنظيم الدولة الإسلامية من سجن في بلدة الشدادي أثناء الاشتباكات.
الحكومة السورية، من جهتها، رفضت هذه الرواية، مؤكدة أنها تعمل على ملاحقة أي فارّين محتملين، ومشددة على أن الوضع تحت السيطرة.
الخلفية التركية–الكردية حاضرة
تظل تركيا طرفًا أساسيًا في هذه المعادلة المعقدة. فأنقرة تعتبر قوات سوريا الديمقراطية امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، الذي خاض صراعًا مسلحًا طويلًا داخل تركيا، وتضعه على رأس تهديداتها الأمنية. هذا الموقف يفسر حساسية أي ادعاء يتعلق بتحركات عسكرية تركية في المنطقة، كما يفسر في الوقت ذاته الدعم السياسي التركي لمسار إعادة دمج المناطق الكردية ضمن سلطة دمشق.
مشهد مفتوح على احتمالات متعددة
التداخل بين ملف الدمج السياسي، والاتهامات المتبادلة بشأن الضربات الجوية، وأمن السجون التي تضم عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، يجعل شمال شرق سوريا ساحة مفتوحة على سيناريوهات متعددة. فنجاح الاتفاق مع دمشق يظل مرهونًا بقدرة الأطراف على ضبط التوترات الميدانية، فيما يبقى خطر الانفلات الأمني قائمًا مع كل تغيير مفاجئ في خرائط السيطرة.
الخلاصة
التطورات الأخيرة في الحسكة ومحيطها تعكس هشاشة المرحلة الانتقالية بعد اتفاق الدمج، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية مع الخلافات السياسية. وبين النفي التركي والاتهامات الكردية، يبقى استقرار شمال شرق سوريا معلقًا على سرعة تنفيذ التفاهمات وضبط الفراغات الأمنية.

