أعادت أنقرة تأكيد موقفها بأن أي خطوة نحو فتح الحدود أو إعادة العلاقات الدبلوماسية مع يريفان لن تتم قبل إبرام اتفاق سلام نهائي بين أرمينيا وأذربيجان.
الموقف، الذي عرضه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أمام لجنة التخطيط والموازنة في البرلمان، اعتبر أن التعجيل في التطبيع مع أرمينيا قد يُفقدها الحافز الأساس لإتمام التفاوض مع باكو، ويُبقي التوترات في جنوب القوقاز عرضة للجمود طويل الأمد.
فيدان أوضح أن التطبيع غير المشروط قد يؤدي إلى “نزاع مجمّد جديد”، وهو سيناريو تعتبره أنقرة تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية الحاصلة بعد حرب قره باغ الثانية وانسحاب القوات الانفصالية من الإقليم.
ملفات عالقة: الدستور الأرمني وممر ناختشيفان
بحسب العرض التركي، جرى التوصل إلى مسودة أولية لاتفاق سلام خلال لقاءات استضافتها واشنطن، إلا أن ملفين ما زالا من دون تسوية:
- التعديلات الدستورية في أرمينيا، ولا سيما تلك المتعلقة بالإشارات التاريخية والترابية التي ترى باكو أنها تُعقّد الاعتراف المتبادل بالحدود.
- مسار النقل الواصل بين أذربيجان وناختشيفان، والذي يُعرف في الخطاب التركي والأذري باسم “ممر زنغزور”، فيما اكتسب تسمية جديدة هذا العام بعد إعلان رعته الولايات المتحدة تحت اسم “طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي”.
هذان الملفان يشكلان محور التعطيل الأساسي أمام صياغة اتفاق نهائي يحظى باعتراف الأطراف الثلاثة ويؤسس لعهد جديد في العلاقات الإقليمية.
حدود مغلقة منذ 1993: ذاكرة الحرب وآثارها المستمرة
أُغلقت الحدود البرية التركية–الأرمنية في نيسان 1993 خلال الحرب الأولى على ناغورني قره باغ، عقب سيطرة القوات الأرمينية على منطقة كلبجار بين أذربيجان والإقليم. ومنذ ذلك التاريخ، لم تُعد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، رغم بعض المحاولات الخجولة لإنهاء القطيعة.
خطوات الانفتاح السابقة تضمنت تعيين مبعوثين خاصين من الجانبين واتفاقًا عام 2022 على فتح المعابر أمام مواطني الدول الثالثة وحملة الجوازات الدبلوماسية، إلا أن معبر مغرة بقي مغلقًا. وأكد فيدان أن تركيا مستعدة لإحياء الحدود والتجارة متى ما اكتمل اتفاق السلام، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الأرمني نفسه يرى في إعادة فتح الحدود رافعة تنموية ضرورية.
حراك يريفان: سياسة تعديلات وانفتاح محفوف بالمخاطر
رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان يقود سياسة خارجية قائمة على تسوية النزاعات التاريخية والانفتاح على تركيا وأذربيجان، رغم الانتقادات الداخلية. خطوة تعليق الحملة الدولية للمطالبة بالاعتراف بالإبادة الجماعية لعام 1915 مثّلت تحولًا بارزًا في هذا السياق، حيث اعتبرها مراقبون محاولة لتهيئة بيئة سياسية ملائمة لمسار التطبيع مع أنقرة.
الجولة السادسة من المحادثات الثنائية في أيلول الماضي –وهي الأولى التي تُعقد على الأراضي الأرمنية– أفرزت تفاهمات أولية لفتح خطوط جوية متعددة بين البلدين اعتبارًا من صيف 2026، في مؤشر إلى حراك دبلوماسي أكثر مرونة رغم غياب اختراقات جوهرية.
تعثر قديم وتاريخ ثقيل: بروتوكولات زيورخ نموذجًا
تجربة “بروتوكولات زيورخ” عام 2009، والتي سعت إلى تأسيس علاقات دبلوماسية وفتح الحدود، لم تكتمل بسبب رفض البرلمان الأرمني المصادقة عليها، قبل أن تُسحب رسميًا عام 2018. هذه التجربة ما زالت حاضرة كمثال على هشاشة مسارات التطبيع عندما تتداخل الملفات التاريخية مع حسابات السياسة الداخلية.

