في إطار حملة أمنية جديدة، أعلنت وزارة الداخلية التركية اعتقال 45 شخصًا في 22 ولاية بتهمة تقديم الدعم لحركة الخدمة، حيث أصدرت السلطات القضائية قرارات بسجن 24 منهم، بينما وُضع 8 آخرين تحت المراقبة القضائية، ولا تزال التحقيقات جارية مع باقي الموقوفين.
كشف وزير الداخلية التركي، علي يرلي كايا، عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن تفاصيل العملية الأمنية التي استهدفت أعضاء ومؤيدي حركة الحركة التي تستوحي فكر فتح الله كولن الراحل.
وأوضح الوزير أن التهم الموجهة للمعتقلين تشمل الانتماء إلى الحركة، والتواصل عبر الهواتف العمومية، التي تعتبرها الحكومة طريقة سرية للتواصل بين أعضاء الحركة، وتقديم دعم مالي لسجناء وأسرهم، بالإضافة إلى الترويج الإعلامي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
نُفذت العمليات في 22 ولاية تركية، شملت: إسطنبول، إزمير، أنطاليا، بورصة، إرزروم، قونية، كوتاهيا، مالاطيا، مانيسا، ماردين، مرسين، أوردو، سكاريا، سامسون، طرابزون، يوزغات، أكساراي، أماسيا، بوردور، كاربك، كيريكالي، وكهرمان مرعش.
في ختام بيانه، أشاد الوزير يرلي كايا بأجهزة الأمن والنيابة العامة المشرفة على العملية، ولم يكتفِ بالإشادة فقط، بل ختم رسالته بالدعاء لهم، وهو ما يعكس الطابع الأيديولوجي المتصاعد الذي يغلّف مثل هذه العمليات الأمنية في تركيا.
يرى مراقبون أن هذه الاعتقالات تمثل استمرارًا للنهج المتبع في ملاحقة من يُشتبه بعلاقته بحركة كولن، حيث تعتبر السلطات تقديم المساعدات لعائلات المعتقلين تهمة تستوجب العقاب، رغم تزايد الانتقادات الحقوقية التي تُوجَّه للحكومة التركية داخليا وخارجيا بشأن سياساتها تجاه المعارضين.
خلفية الاتهامات ضد الحركة
بدأ الرئيس رجب طيب أردوغان يستهدف أتباع حركة الخدمة التي تستوحي فكر فتح الله كولن الراحل عقب تحقيقات الفساد في ديسمبر 2013، التي تورط فيها ثلاثة وزراء وأبناؤهم وأفراد من عائلة أردوغان، لكن الأخير وصف تلك التحقيقات بأنها مؤامرة قضائية من قِبل الحركة للإطاحة بحكومته، واتجه منذ ذلك الحين إلى تصنيفها كمنظمة إرهابية “إعلاميا”، ثم استصدر في 2016 قرارا “رسميا” لوصفها بالإرهابية، حيث اتهمها هذه المرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة.
غير أن الحركة نفت كل هذه الاتهامات ووصفت الأحداث الفوضوية في ليلة الانقلاب بـ”الحرب النفسية” و”عمليات الراية المُزيفة” (false flag) يقف وراءها أردوغان نفسه ليتمكن من خلق أرضية لاتهاماته الجاهزة، ووصم الحركة بالإرهابية، وبالتالي تصفية الجنرالات المعارضين لمشاريعه العسكرية في سوريا وعموم العالم العربي والإسلامي، بتهمة الانتماء إلى هذه المنظمة الإرهابية المزعومة.
يذكر أن مصطلح “الراية المزيفة” يُستخدم لوصف عمليات سرية تُنفذها جهة معينة بحيث يتم إخفاء الهوية الحقيقية للمنفذين وتوجيه التهمة لمجموعة أو دولة أخرى، بهدف خلق انطباع بأن الطرف الذي تم اتهامه زورًا هو من قام بالعمل، وذلك لتحقيق أهداف عسكرية أو سياسية أو استخباراتية. تُستخدم هذه الاستراتيجية في الغالب للتأثير على الرأي العام أو لتبرير أفعال وعمليات معينة لا يسمح لها الدستور والقوانين ولا يسوغها الجمهور في العادة.
وكان أردوغان قال صراحة عقب إعلانه حالة الطوارئ في البلاد بعد أسبوع من إحباط ما سمي بمحاولة الانقلاب الفاشلة بدعوى التصدي لـ”الانقلابيين”: “لقد حصلنا في ظل حالة الطوارئ على القدرة والإمكان من أجل تنفيذ كثير من الإجراءات التي لا يمكن أن نجريها في الظروف والأوقات العادية”، على حد قوله.
الإجراءات التي أعقبت الانقلاب
أعلنت الحكومة حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب، وأصدرت مراسيم طارئة أدت وفقًا لوزارة العدل التركية إلى فصل أكثر من 130,000 موظف حكومي، بالإضافة إلى 24,706 من أفراد القوات المسلحة، إلى جانب عشرات الآلاف من المدنيين، بزعم ارتباطهم بـ”منظمات إرهابية”، علمًا أن هذه المراسيم لم تخضع لأي رقابة قضائية أو برلمانية.
وخلال السنوات الأخيرة، خضع أكثر من 705,172 شخصًا، الأغلبية الساحقة منهم مدنيون، لتحقيقات بتهم تتعلق بالإرهاب أو محاولة الانقلاب بسبب علاقتهم المزعومة بالحركة. وبلغ عدد المعتقلين حاليا في قضايا مرتبطة بالحركة حوالي 13,251 شخصًا، بين محتجزين على ذمة المحاكمة أو مدانين بتهم الإرهاب.
بين يونيو 2023 ويونيو 2024 فقط، نفذت السلطات التركية 5,543 عملية أمنية، أسفرت عن اعتقال 1,595 شخصًا على صلة بالحركة، علمًا أن هذه الأرقام تتغير بشكل مستمر نظرا لاستمرار العمليات، حيث أفاد مركز ستوكهولم للحرية أن السلطات التركية اعتقلت خلال الأسبوع الماضي 200 شخص بسبب صلاتهم المزعومة بالحركة.
بالإضافة إلى أعداد المعتقلين، هناك أكثر من 100 حالة وفاة مشبوهة، زعمت السلطات أنها انتحار، كما اضطر العديد من أتباع الحركة إلى الفرار من تركيا هربًا من حملات القمع المستمرة يوميا، وتعرض بعضهم لحالات مأساوية في الطريق، بينها الوفاة بسبب الغرق في مياه النهر أثناء العبور إلى الجانب اليوناني تمهيدا للوصول إلى مكان آمن في إحدى دول العالم.

