يكشف تقرير اقتصادي حديث عن تحوّل عميق شهدته الزراعة التركية خلال العقدين الماضيين، إذ فقد القطاع ملايين العاملين وتقلّص دوره في الاقتصاد الوطني، في وقت تواجه فيه البلاد مستويات قياسية من تضخم أسعار الغذاء واعتمادًا متزايدًا على الاستيراد.
التقرير الذي أعدّه نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي، يالتشين كاراتيبي، يقدّم قراءة قاتمة لوضع الزراعة، معتبرًا أن السياسات الحكومية المتعاقبة أضعفت البنية الإنتاجية ودفعت صغار المزارعين نحو الخروج من السوق.
انهيار في العمالة وتراجع حاد في مساهمة القطاع الاقتصادي
تشير البيانات إلى أن عدد العاملين في قطاع الزراعة انخفض بشكل كبير على مدى أكثر من عشرين عامًا، متراجعًا من مستويات مرتفعة في بداية الألفية إلى أقل من خمسة ملايين عاملي اليوم. وتزامن هذا التراجع مع انكماش حصة الزراعة من إجمالي العمالة ومن الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس مسارًا طويلًا من فقدان الجاذبية الاقتصادية لهذا القطاع الذي كان يومًا من أعمدة الاقتصاد التركي.
ورغم أن التطور التكنولوجي والميكنة الزراعية لعبا دورًا في هذا التحول، إلا أن التقرير يؤكد أن العامل الحاسم كان تغيّر السياسات العامة وظروف السوق، التي ضغطت على الزراعة العائلية الصغيرة وأفقدتها القدرة على المنافسة.
انخفاض الاستثمار الحكومي وغياب الدعم الكافي
أحد أبرز المؤشرات التي تناولها التقرير هو تراجع حصة الزراعة من الاستثمارات العامة خلال العقدين الماضيين. فبينما كانت نسبة الاستثمار الحكومي في الزراعة أعلى بكثير في بداية الألفية، تشير التوقعات المخططة إلى انخفاضها إلى مستويات متدنية خلال السنوات المقبلة، ما يفاقم ضعف البنية التحتية الزراعية ويحدّ من قدرة المزارعين على مواكبة التحولات البيئية والاقتصادية.
كما يسلط التقرير الضوء على ابتعاد الدولة المتزايد عن الوفاء بالتزاماتها القانونية الخاصة بدعم المزارعين، إذ ينص القانون الزراعي التركي على تخصيص مستوى ثابت من الدعم يوازي نسبة من الناتج المحلي، وهو شرط تقول المعارضة إنه لم يُحترم منذ إقراره.
قفزة في تكاليف الإنتاج وتآكل القدرة الشرائية للأسر
السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعًا لافتًا في أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي، بما يشمل الأسمدة والعلف والطاقة، بنسب كبيرة. ورغم ارتفاع أسعار شراء المنتجات من المزارعين، بقيت الزيادات أدنى من تكاليف الإنتاج، ما أضعف الهامش الربحي ودفع كثيرين لمغادرة القطاع.
وفي المقابل، تحمل المستهلكون عبئًا مضاعفًا، إذ سجّلت تركيا أعلى معدلات تضخم غذائي ضمن دول أوروبا ومجموعة التعاون الاقتصادي، فيما تشير الدراسات إلى صعوبة حصول الأسر منخفضة الدخل على البروتين الحيواني بانتظام، وسط غياب بيانات رسمية حديثة حول مستوى الأمن الغذائي.
تعاظم الاعتماد على الخارج واتساع العجز الغذائي
أحد أخطر التحولات التي يرصدها التقرير هو الارتفاع المستمر في الاعتماد على المستوردات لتلبية احتياجات الإنتاج الزراعي والغذائي. فقد زادت نسبة المدخلات المستوردة المستخدمة في الزراعة خلال العقد الأخير، إلى جانب تضاعف واردات الحيوانات والمنتجات الغذائية، حتى باتت كلفة الاستيراد تمثل عبئًا مباشرًا على الاقتصاد، خاصة في ظل تقلبات سعر الصرف.
وبحسب أرقام التجارة الخارجية، استوردت تركيا خلال السنوات العشر الماضية كميات ضخمة من المواد الغذائية، ما أثار قلقًا متزايدًا بشأن تراجع الاكتفاء الذاتي وتعرض السوق المحلية لصدَمات خارجية.
انحسار الرقعة الزراعية وتقلّص المساحة المتاحة للفرد
التقرير يشير كذلك إلى خسارة تدريجية في الأراضي الزراعية، سواء بسبب التوسع العمراني أو تغيّر أنماط استخدام الأرض، ما أدى إلى تراجع المساحة الزراعية الإجمالية بملايين الهكتارات. كما انخفضت حصة الفرد من الأرض الصالحة للزراعة بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين، وهو مؤشر حرج في بلد يسعى للحفاظ على أمنه الغذائي.
فجوة ضخمة في الدعم القانوني واتهامات بإهمال المزارعين
القانون الزراعي التركي يفرض حدًا أدنى من الدعم الحكومي، لكن بيانات الموازنات السنوية تظهر تراجع نسب الدعم الممنوحة مقارنة بالمطلوب قانونيًا. ويقدّر خبراء الضرائب أن المزارعين لم يحصلوا على مستحقاتهم لسنوات طويلة، ما أدى إلى فجوة مالية كبيرة تجاوزت عدة تريليونات ليرة، بينما تتجه أجزاء كبيرة من الميزانية نحو خدمة الدين بدلًا من دعم القطاع الزراعي.
رؤية المعارضة: نموذج جديد للأمن الغذائي
في تعليقاته على التقرير، أكد المسؤول المعارض أن حزبه سيطرح سياسة زراعية جديدة حال وصوله إلى الحكم، ترتكز على نموذج يأخذ في الاعتبار تكاليف النقل والطاقة وتغير المناخ، بهدف كبح ارتفاع الأسعار وضمان دخل مستقر للمزارعين. الخطة تستهدف إعادة التوازن بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، وتعزيز القدرة على توفير الغذاء بأسعار معقولة.

