شهدت المناطق الحدودية بين تركيا وشمال العراق انسحاب نحو خمسين مقاتلاً من عناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) من الأراضي التركية، تحت إشراف مباشر من قوات الأمن والجيش التركي، في خطوة تعدّ الأولى من نوعها منذ إعلان الحزب قراره التخلي عن العمل المسلح وحلّ نفسه مطلع العام الجاري.
ويُنظر إلى هذا الانسحاب باعتباره أول إجراء عملي ضمن عملية السلام الجديدة بين الدولة التركية والحزب، بعد أربعة عقود من الصراع المسلح الذي أودى بحياة ما يقارب أربعين ألف شخص.
تفاصيل الانسحاب وآلياته الميدانية
أفادت التقارير بأن المجموعة المنسحبة، التي تضم سبعةً وأربعين عنصراً، غادرت تركيا باتجاه المناطق الجبلية في شمال العراق وهي تحمل أسلحة خفيفة فقط، فيما تُركت الأسلحة الثقيلة في مخابئ خاصة داخل الولايات الجنوبية الشرقية.
وجرى تنفيذ العملية تحت متابعة دقيقة من أجهزة الاستخبارات والجيش التركي، بهدف منع أي احتكاك أو اشتباك محتمل مع القوات النظامية. كما أُعيد نشر الوحدات العسكرية المنتشرة على مسار الانسحاب لتأمين الممرات وتقليل احتمالات التصعيد.
التنسيق الميداني وتطهير المناطق
أوضحت المصادر الأمنية أن انسحاب المقاتلين تم وفق خطة منسّقة مع القيادة العسكرية لتفادي أي استفزازات ميدانية، إذ أخلت عناصر الحزب عدداً من النقاط التي كانت تحت سيطرتها قرب الحدود، تمهيداً لدخول القوات التركية لإجراء عمليات تمشيط شاملة في الكهوف والمخازن التي استخدمت منذ ثمانينيات القرن الماضي كمراكز إمداد وتخزين.
ويُعد هذا التحرك مؤشراً رمزياً على بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين أنقرة والحزب، إذ لم يُنشئ المقاتلون للمرة الأولى منذ عام 1984 قواعد شتوية داخل الأراضي التركية.
بيان الحزب وتأكيد تنفيذ الانسحاب
أعلن حزب العمال الكردستاني، في بيان صدر من إحدى القرى النائية في جبال قنديل، أنه بدأ بالفعل تنفيذ قرار سحب قواته من الداخل التركي نحو شمال العراق، مؤكداً التزامه بالمسار الجديد الذي يقضي بإنهاء الوجود العسكري داخل تركيا. وأُذيع البيان باللغتين الكردية والتركية، في رسالة تهدف إلى إظهار الجدية في المضي نحو إنهاء الصراع المسلح.
ورغم عدم صدور أرقام رسمية، تشير التقديرات إلى أن عدد المقاتلين الذين سيغادرون البلاد بشكل كامل قد يتراوح بين مئتين وثلاثمئة عنصر خلال الأسابيع المقبلة.
جذور المسار الجديد ودور بهجلي وأوجلان
تعود جذور عملية السلام الحالية إلى مبادرة أطلقها زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي في أكتوبر 2024، حين دعا علناً الزعيم الكردي المعتقل عبدالله أوجلان إلى التدخل ودعوة مقاتلي الحزب لوضع السلاح. وقد لبّى أوجلان النداء في فبراير الماضي عبر رسالة من سجنه دعا فيها إلى وقف القتال وحلّ التنظيم.
وفي خطوة رمزية لاحقة، أقدم مقاتلو الحزب في يوليو الماضي على إحراق جزء من أسلحتهم في جبال شمال العراق، إيذاناً ببدء مرحلة «النزع الطوعي للسلاح» تمهيداً للانتقال إلى العمل السياسي السلمي.
تحولات استراتيجية وتحديات قادمة
يمثل هذا الانسحاب، الذي جرى بإشراف تركي كامل، مؤشراً على رغبة متبادلة في تخفيف التوتر المستمر منذ عقود، غير أن مستقبل العملية السلمية ما زال مرتبطاً بعوامل معقدة، من أبرزها مصير المقاتلين المنسحبين، وضمانات العفو، وآليات دمجهم المحتملة في الحياة المدنية. كما تُثار تساؤلات حول مدى التزام جميع فصائل الحزب بالقرار، في ظل وجود أجنحة راديكالية لم تُعلن موقفاً واضحاً بعد.

