في تطور لافت داخل واحدة من أبرز مؤسسات إعداد الضباط في تركيا، أوقفت السلطات تسعة عسكريين يخدمون في أكاديمية القوات الجوية في إسطنبول، بتهم تتعلق بجرائم المخدرات، قبل أن تقرر محكمة الصلح الجزائية توقيف ثلاثة منهم وإخضاع ستة آخرين للرقابة القضائية مع فرض حظر سفر.
التحقيق يجري بإشراف النيابة العامة في باكيركوي، ويستند إلى المادة 191 من قانون العقوبات التركي، التي تجرّم شراء أو حيازة أو تعاطي المواد المخدرة أو المنبهة للاستعمال الشخصي.
مسار التحقيق والإجراءات القضائية
العملية نُفذت من قبل وحدة مكافحة المخدرات التابعة لدرك إسطنبول، حيث جرى توقيف المشتبه بهم بعد عمليات رصد ومتابعة. وخلال التفتيش الشخصي ومداهمة منازلهم، عُثر – وفق المعطيات الرسمية – على مواد مخدرة ملفوفة بورق الألمنيوم.
بعد استكمال الإجراءات لدى الدرك، أُحيل العسكريون إلى مجلس الطب الشرعي لأخذ عينات من الدم والشعر والبول لتحليلها مخبرياً. كما وسّعت النيابة نطاق التحقيق ليشمل شبهات تتعلق بتوريد مواد مخدرة وتسهيل تعاطيها، وهو ما دفع إلى تمديد فترات الاحتجاز خلال مرحلة التحقيق.
القانون التركي ينص على عقوبات قد تصل إلى خمس سنوات سجناً في الجرائم المرتبطة بالمخدرات، غير أن المحاكم غالباً ما تلجأ، في حالات التعاطي لأول مرة، إلى أحكام مع وقف التنفيذ أو برامج علاج وإشراف بدلاً من السجن الفعلي.
مؤسسة عسكرية تحت المجهر
الأكاديمية المعنية هي أكاديمية القوات الجوية التركية الواقعة في حي يشيل يورت بإسطنبول، وهي مؤسسة عسكرية تعليمية تمتد دراستها لأربع سنوات، وتُعد ضباط سلاح الجو المستقبليين، مانحة درجات جامعية في هندسة الحاسوب والإلكترونيات والهندسة الصناعية وهندسة الطيران، إضافة إلى التدريب العسكري والجوي.
تخضع الأكاديمية لإشراف جامعة الدفاع الوطني التركية التي أُنشئت بعد محاولة الانقلاب في عام 2016، حين أُعيد تنظيم مؤسسات التعليم العسكري، بما فيها الأكاديمية الحربية والأكاديمية البحرية، لتعمل تحت مظلة وزارة الدفاع في إطار هيكلي جديد يهدف إلى تعزيز الرقابة المدنية والانضباط المؤسسي.
في هذا السياق، تكتسب القضية حساسية مضاعفة، إذ إن أي شبهة جنائية داخل مؤسسة إعداد الضباط تُقرأ بوصفها اختباراً للمعايير الانضباطية والرقابية التي أُعيد بناؤها بعد 2016.
سياق أوسع: تصاعد عمليات مكافحة المخدرات
تأتي هذه التوقيفات في وقت تشهد فيه إسطنبول سلسلة من الحملات الأمنية المرتبطة بجرائم المخدرات، طالت خلال الأشهر الماضية شخصيات من قطاعات التلفزيون والموسيقى والإعلام، وأسفرت عن توقيف واعتقال عشرات المشتبه بهم، قبل الإفراج عن بعضهم بعد الإدلاء بإفادات وإجراء تحاليل مخبرية.
تقرير أمني صدر في عام 2025 أشار إلى تحول موقع تركيا في خريطة الاتجار غير المشروع بالمخدرات؛ فبعد أن كانت تُعرف تقليدياً بوصفها دولة عبور بين الشرق والغرب، باتت تُصنّف أيضاً كسوق استهلاكية وكمركز إنتاج، لا سيما في ما يتعلق بالمواد الاصطناعية. ووثّق التقرير ارتفاعاً حاداً في عدد العمليات الأمنية، مع الكشف عن عشرات المواقع المرتبطة بالإنتاج أو التخزين في إسطنبول وحدها.
هذا التحول يضع ضغوطاً إضافية على مؤسسات الدولة، المدنية والعسكرية على حد سواء، لتعزيز آليات الرقابة الداخلية، خاصة في البيئات المغلقة التي يُفترض أن تخضع لمعايير انضباط صارمة.
بين الانضباط العسكري والتحولات الاجتماعية
رغم أن التحقيق لا يزال في مراحله الأولية، فإن القضية تثير أسئلة حول مدى تأثر المؤسسات النخبوية، بما فيها العسكرية، بالتحولات الاجتماعية الأوسع المرتبطة بانتشار المواد المخدرة. فالمؤسسة العسكرية لطالما قُدمت بوصفها نموذجاً للصرامة والانضباط، ما يجعل أي اختراق من هذا النوع ذا أبعاد رمزية تتجاوز عدد الموقوفين.
في المقابل، يؤكد مختصون قانونيون أن مبدأ قرينة البراءة يظل قائماً، وأن نتائج التحاليل المخبرية وتكييف التهم النهائية ستحدد المسار القضائي، سواء باتجاه الإدانة أو البرامج العلاجية في حال ثبوت التعاطي دون الاتجار.
خلاصة
توقيف عسكريين داخل أكاديمية سلاح الجو في إسطنبول يضع مؤسسة عسكرية حساسة تحت الضوء في ظل تصاعد وطني في حملات مكافحة المخدرات. القضية تعكس تداخلاً بين تحديات اجتماعية أوسع ومتطلبات الانضباط داخل بنى عسكرية أعيد تشكيلها بعد 2016.

