تشير أحدث المؤشرات الصادرة عن اتحاد نقابات العمال الأتراك (TÜRK-İŞ) إلى تعمّق الضغوط المعيشية على الأسر، في ظل استمرار التضخم وارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والخدمات الأساسية.
ووفق البيانات الخاصة بشهر فبراير، باتت أسرة مكوّنة من أربعة أفراد تحتاج إلى ما يعادل 105 آلاف و425 ليرة تركية شهرياً، أي نحو 2,399 دولار، لتغطية النفقات الأساسية التي تشمل الغذاء، الإيجار، النقل، التعليم، والرعاية الصحية.
هذا الرقم لا يعكس مستوى رفاه، بل الحد الأدنى لما يُعرّف بأنه “خط الفقر” الحضري في السياق التركي، ما يضع شريحة واسعة من المجتمع في مواجهة مباشرة مع تآكل القوة الشرائية.
خط الجوع يتجاوز الحد الأدنى للأجور
ارتفع ما يُعرف بـ”خط الجوع” – وهو الحد الأدنى الشهري اللازم لتأمين غذاء صحي ومتوازن لأسرة من أربعة أشخاص – إلى 32 ألفاً و365 ليرة، أي ما يعادل 736 دولاراً. ويزيد هذا الرقم بنحو 15 بالمئة عن صافي الحد الأدنى للأجور البالغ قرابة 28 ألفاً و75 ليرة.
بمعنى آخر، فإن الحد الأدنى للأجور لم يعد يغطي حتى الكلفة الغذائية الأساسية، دون احتساب السكن أو المواصلات أو الفواتير أو التعليم. أما كلفة المعيشة الشهرية لعامل أعزب فقد بلغت 41 ألفاً و900 ليرة، أي ما يعادل 953 دولاراً، وهو مستوى يفوق الحد الأدنى للأجور بفارق واسع.
هذه المعطيات تعكس اختلالاً هيكلياً في العلاقة بين الأجور والأسعار، حيث لم تعد الزيادات الاسمية في الرواتب قادرة على ملاحقة التضخم الفعلي، خصوصاً في سلة الغذاء.
“تضخم المطبخ”: مؤشر الضغوط اليومية
أظهر مؤشر ما يُعرف بـ”تضخم المطبخ” – الذي يقيس التغيرات الشهرية في أسعار المواد الغذائية – ارتفاعاً بنسبة 3.65 بالمئة في فبراير مقارنة بالشهر السابق. وعلى أساس سنوي، بلغت زيادة تكاليف الغذاء 38.76 بالمئة، فيما وصل متوسط الارتفاع السنوي إلى 39.43 بالمئة. وخلال أول شهرين من عام 2026، ارتفع الإنفاق الغذائي بنسبة 7.37 بالمئة.
ويعتمد الاتحاد على مدينة أنقرة كنقطة مرجعية لرصد هذه التغيرات منذ عقود، ما يمنح هذه البيانات طابعاً تراكمياً يسمح بمقارنة تاريخية دقيقة لمسار تكاليف المعيشة لدى الأسر العاملة.
عملياً، لا تقتصر الأزمة على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى طبيعة السلة الاستهلاكية نفسها، إذ تلجأ عائلات كثيرة إلى تقليص الكميات أو استبدال المنتجات ذات الجودة الأعلى ببدائل أقل سعراً، ما ينعكس على الأنماط الغذائية والصحية على المدى الطويل.
اقتصاد تحت الضغط: تضخم مزمن وعملة متراجعة
تعاني تركيا منذ سنوات من معدلات تضخم مرتفعة، رافقها تراجع في قيمة الليرة وارتفاع في معدلات البطالة، ما أدى إلى تقويض القوة الشرائية لشريحة واسعة من أصحاب الدخل الثابت. ورغم التحولات الأخيرة في السياسة النقدية ومحاولات تشديد أسعار الفائدة لاستعادة الاستقرار، فإن آثار المرحلة السابقة – التي اتسمت بسياسات نقدية غير تقليدية – ما تزال تلقي بظلالها على الأسواق.
التضخم في قطاعي الغذاء والإيجارات تحديداً يشكلان بؤرة الضغط الأكبر على الميزانيات المنزلية. ومع محدودية الادخار لدى غالبية الأسر، باتت استراتيجيات التكيّف تشمل تعدد مصادر الدخل، والانخراط في أعمال غير رسمية، والاعتماد على دعم العائلة الممتدة.
البعد السياسي والاجتماعي للأزمة
يتعرض الرئيس رجب طيب أردوغان لانتقادات متزايدة من قوى المعارضة وشرائح اجتماعية واسعة تتهمه بسوء إدارة الاقتصاد، واستنزاف موارد الدولة، وترسيخ نمط حكم فردي. ويقول منتقدون إن المناخ السياسي المقيد، حيث تُقمع أصوات معارضة ويُلاحق خصوم بتهم ذات طابع سياسي، يحدّ من إمكان النقاش العام حول البدائل الاقتصادية.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن برنامجها الاقتصادي يهدف إلى خفض التضخم تدريجياً واستعادة الثقة الاستثمارية، مشيرة إلى مؤشرات تحسن في ميزان الحساب الجاري وتدفقات رؤوس الأموال. غير أن المواطن العادي يقيس الأداء الاقتصادي بقدرته على ملء سلة مشترياته الشهرية، وهي معادلة لم تُحل بعد.
بين الأرقام والواقع: ماذا تعني هذه المؤشرات؟
الفجوة القائمة حالياً بين الحد الأدنى للأجور وخطي الجوع والفقر تشير إلى أن شريحة معتبرة من العاملين بأجر رسمي تقع فعلياً تحت ضغط معيشي حاد. كما أن ارتفاع كلفة معيشة العامل الأعزب إلى ما يقارب ألف دولار شهرياً يكشف أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بإعالة الأسر، بل تطال الأفراد أيضاً.
إذا استمر المسار التضخمي عند مستوياته الحالية، دون زيادات موازية في الدخول الحقيقية، فإن الاقتصاد التركي قد يواجه تبعات اجتماعية أعمق، تشمل اتساع الاقتصاد غير الرسمي، وتراجع الاستهلاك المحلي، وزيادة الهجرة الاقتصادية للكفاءات الشابة.
خلاصة
تكشف بيانات فبراير عن فجوة بنيوية بين الأجور وتكاليف المعيشة في تركيا، حيث لم يعد الحد الأدنى للأجور يغطي حتى احتياجات الغذاء الأساسية. وفي ظل تضخم مرتفع وعملة متراجعة، تتحول الضغوط الاقتصادية إلى عامل مركزي في المشهدين الاجتماعي والسياسي للبلاد.

