بين التصعيد العسكري والرهان الدبلوماسي، تقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام لحظة مفصلية في علاقتها مع إيران. فالتطورات الأخيرة لا تندرج ضمن مناورة خطابية عابرة، بل تعكس نقاشاً عميقاً داخل مؤسسات القرار في واشنطن حول حدود القوة، وكلفة استخدامها، وإمكانات احتواء تداعياتها.
في مقاله بموقع (TR724)، يرى الكاتب الصحفي التركي آدم ياوز أرسلان أن المشهد الحالي يتجاوز مجرد “خيارات عسكرية” مطروحة على الطاولة؛ إنه اختبار لاستراتيجية أميركية تحاول الجمع بين الردع القاسي وإبقاء باب التفاوض موارباً، في منطقة اعتادت أن تتحول فيها العمليات المحدودة إلى أزمات ممتدة.
بنية القرار: تعقيدات عسكرية تتجاوز لحظة الضربة
في أروقة البنتاغون، يحضر اسم رئيس هيئة الأركان الأميركية الجنرال دان كاين في سياق التحذيرات المرتبطة بتداعيات أي هجوم محتمل. فالمسألة، كما يشير أرسلان، لا تتعلق بإمكانية تنفيذ ضربة دقيقة فحسب، بل بقدرة واشنطن على إدارة “اليوم التالي”.
المعطيات التي يجري تداولها داخل المؤسسات الأميركية تشمل مستوى الجاهزية اللوجستية، ووضع مخزونات الذخيرة الدقيقة، وتوزيع الموارد الدفاعية في ظل انخراط الولايات المتحدة في دعم أوكرانيا وإسرائيل، إضافة إلى مدى استعداد الحلفاء الإقليميين لتوفير قواعدهم وأجوائهم لأي عملية محتملة.
بعبارة أخرى، القرار ليس عسكرياً صرفاً؛ إنه حساب سياسي – استراتيجي مركّب.
خيار الضغط المتزامن مع التفاوض
السيناريو الأكثر حذراً يقوم على توظيف الحشد العسكري كأداة ضغط تفاوضي. هذا المسار يفترض أن التهديد باستخدام القوة قد يدفع طهران إلى إبداء مرونة أكبر في الملف النووي، خاصة مع الحديث عن استئناف قنوات التفاوض في جنيف.
وفق رؤية أرسلان، هذا الخيار يمنح الإدارة الأميركية مساحة للمناورة، ويخفف من مخاطر انفجار إقليمي واسع، ويحمي أسواق الطاقة من صدمة مفاجئة. لكنه يظل رهناً بسلوك طهران، خصوصاً فيما يتعلق بمستويات تخصيب اليورانيوم وقدراتها التقنية المتقدمة.
كما أن صدور إشارات من واشنطن توحي بإمكان السعي إلى تغيير النظام في طهران قد يقوض الثقة التفاوضية ويجعل أي تسوية أكثر هشاشة.
نجاح هذا السيناريو يعتمد على الصبر السياسي بقدر اعتماده على توازن الردع.
الضربة المحدودة: رهان الصدمة المحسوبة
خيار آخر يتمثل في تنفيذ ضربة عسكرية مركزة تستهدف بنى تحتية صاروخية أو منشآت نووية أو مواقع مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. الهدف هنا، كما يوضح أرسلان، هو إحداث صدمة تكتيكية تعيد صياغة قواعد التفاوض وتبعث برسالة ردع واضحة.
هذا المسار قد يعزز صورة القيادة الحازمة داخلياً في الولايات المتحدة، لكنه يحمل مخاطر جدية. فإيران تمتلك أدوات رد متعددة، تشمل استهداف قواعد أميركية في المنطقة، أو تصعيداً عبر حلفائها الإقليميين، أو الضغط على إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر.
السؤال المركزي، كما يطرحه أرسلان، هو ما إذا كانت الضربة “المحدودة” ستبقى ضمن هذا الإطار، أم أنها ستفتح سلسلة من الردود المتبادلة يصعب احتواؤها.
حملة واسعة النطاق: استنزاف طويل الأمد
السيناريو الأكثر اتساعاً يقوم على حملة جوية وبحرية ممتدة تستهدف مئات المواقع داخل إيران، بهدف إضعاف شبكاتها الصاروخية ومنشآتها العسكرية بصورة منهجية.
عسكرياً، يمكن لهذا الخيار أن يوجه ضربة قاسية لقدرات طهران. لكن كلفته ستكون مرتفعة على عدة مستويات. فالموارد الدفاعية الأميركية موزعة على أكثر من جبهة، والقدرات الإنتاجية لبعض أنظمة الدفاع الجوي والذخائر الدقيقة ليست غير محدودة.
إلى جانب ذلك، فإن أي اضطراب في مضيق هرمز سيؤدي إلى هزة عنيفة في أسواق الطاقة العالمية، ما يضاعف الأثر الاقتصادي للأزمة. ومع امتداد العمليات لأسابيع أو أشهر، يتحول النزاع إلى اختبار استنزاف سياسي واقتصادي.
أقصى الخيارات: تغيير النظام
السيناريو الأكثر جذرية يتمثل في تبني استراتيجية تستهدف إسقاط النظام الإيراني. هذا المسار يعني توسعاً كبيراً في الأهداف العسكرية، وانخراطاً طويل الأمد في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
التجربة الأميركية في العراق لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية، وتذكّر بكلفة التحولات القسرية. ويرى أرسلان أن هذا الخيار هو الأعلى مخاطرة والأدنى قابلية للتطبيق، نظراً لاحتمال انزلاق المنطقة إلى فوضى ممتدة تتجاوز حدود إيران.
محددات القرار: بين الداخل والخارج
القرار النهائي، بحسب تحليل أرسلان، سيتأثر بعدة عوامل متداخلة: مدى مرونة طهران في المفاوضات، اتجاهات الرأي العام الأميركي تجاه الانخراط العسكري، موقف دول الخليج من تقديم تسهيلات عملياتية، وحجم الرد الإيراني الأولي في حال وقوع هجوم.
الرئيس ترامب يميل سياسياً إلى تصعيد الضغط بهدف تحسين شروط التفاوض، ما يجعل الجمع بين التهديد العسكري والتحرك الدبلوماسي الخيار الأقرب في المدى القريب. غير أن تاريخ الشرق الأوسط يظهر أن التصعيد المحسوب قد يتجاوز سريعاً حدود الحسابات الأصلية.
الحسابات الحقيقية: اختبار للإرادة السياسية
المعضلة في واشنطن لا تتعلق بقدرة تنفيذ الضربة، بل بقدرة إدارة تبعاتها. هل سيؤدي التصعيد إلى إضعاف إيران فعلاً، أم سيدخل الولايات المتحدة في دورة جديدة من الاستنزاف؟
في تقدير آدم ياوز أرسلان، المعركة الأساسية ليست عسكرية بقدر ما هي سياسية؛ إنها معركة حول تعريف حدود القوة الأميركية في نظام دولي يتجه نحو مزيد من التعقيد وتعدد الأقطاب.
خلاصة
واشنطن توازن بين الردع والتفاوض، لكن كل مسار يحمل مخاطر تصعيد يصعب ضبطه. القرار النهائي سيحدد ما إذا كانت الأزمة ستتحول إلى اتفاق جديد أم إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

