في مشهد سياسي تركي مثقل بالاستقطاب والانكماش الديمقراطي، أطلق الكاتب الصحفي المخضرم ممدوح بيرقدار أوغلو ذو التوجه العلماني سلسلة مواقف حادة تناولت بنية العدالة، وملف المفصولين بمراسيم الطوارئ بدعوى الانتماء إلى حركة الخدمة، واعتقال صلاح الزعيم الكردي صلاح الدين دميرتاش، وأداء المعارضة، وصولاً إلى دعوة صريحة لإصلاح شامل قد يبلغ حد العفو العام. حديثه لم يكن موجهاً إلى السلطة وحدها، بل شمل المعارضة أيضاً، واضعاً شعاراً واحداً في صدارة المشهد: العدالة قبل أي شيء آخر.
أزمة ثقة عميقة: بين الدولة والحكومة والفرد
في حوار مع قناة (TR724) على يوتيوب، رأى بيرقدار أوغلو أن التحول الأخطر لا يكمن فقط في قرارات قضائية أو سياسية بعينها، بل في ما يصفه بذوبان الحدود بين الدولة والحكومة، ثم اختزال الحكومة في إرادة فرد واحد. الدولة، وفق تصوره، كانت تقليدياً جهازاً إدارياً يمتلك هامش استقلال نسبي عن السلطة السياسية، أما اليوم فقد تسيّست مؤسساتها بصورة كاملة، ما أضعف ثقة المواطنين بقدرتها على تطبيق القانون بمعايير متساوية.
وحذر بيرقدار أوغلو من أن تآكل مفهوم الدولة المؤسسية ينعكس مباشرة على مستقبل الأجيال، في ظل عالم يتغير بسرعة بفعل الذكاء الاصطناعي والتحولات التكنولوجية الكبرى، بينما تنشغل تركيا بصراعات داخلية واستقطاب أيديولوجي حاد.
الاستقطاب الديني والعلماني: دائرة مغلقة من الاتهامات
في قراءته للمشهد المجتمعي، انتقد بيرقدار أوغلو خطابين متقابلين: تيار علماني متشدد يهاجم المتدينين بوصفهم رجعيين، وتيار محافظ يصف المدافعين عن العلمانية بـ«الغوغاء». وأكد أن الغالبية من المتدينين لا تعادي الدولة العلمانية، كما أن جوهر العلمانية يقوم على مساواة الدولة بين المؤمنين وغير المؤمنين.
هذا التراشق، في رأيه، غذاه أيضاً منطق المنصات الرقمية، حيث تبرز الخوارزميات المحتوى الأكثر استفزازاً وإثارة، ما يعمق الانقسام ويهمش خطاب التهدئة.
ملف صلاح الدين دميرتاش: بين القضاء والسياسة
شدد بيرقدار أوغلو على أن أي مسار نحو «تركيا بلا إرهاب» لا يمكن اختزاله في اسم عبد الله أوجلان وحده، زعيم حزب العمال الكردستاني، بل يتطلب الإفراج الفوري عن صلاح الدين دميرتاش تنفيذاً لأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وقرارات المحكمة الدستورية التركية.
واعتبر أن دميرتاش، بوصفه زعيماً سياسياً مدنياً، يمثل عنواناً للحل السياسي الديمقراطي، وأن استمرار سجنه رغم القرارات القضائية الدولية يقوض مصداقية مسار الإصلاح. كما يوضح أن إعادة محاكمته قد تفتح الباب أمام براءته، ما يتيح له – نظرياً – الترشح مجدداً لمنصب الرئاسة إذا انتفت الموانع القانونية.
«الحق في الأمل» وحدود القانون
في الجدل الدائر حول «الحق في الأمل» المتعلق بالمحكومين بالمؤبد، ميز بيرقدار أوغلو بين السجن المؤبد العادي والمؤبد المشدد، مؤكداً أن أي تعديل ينبغي أن يكون عاماً ومجرداً لا موجهاً لشخص بعينه. بالنسبة له، التشريع يجب أن يمر عبر البرلمان ويطبق وفق معايير عامة، وإلا فقد يتحول إلى سابقة خطيرة في تخصيص القوانين.
المفصولون بمراسيم الطوارئ: «لا تحبسوا الحب»
من أكثر الملفات التي تناولها بحدة قضية المفصولين بمراسيم الطوارئ بعد ما سمي محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016. أكد أن آلاف الأشخاص سُجنوا أو حُرموا من وظائفهم من دون أدلة كافية على ارتكاب جرائم، وأن معاقبة أفراد بسبب انتماء فكري أو ديني سابق تقوض مبدأ المسؤولية الفردية.
وطرح معادلة أخلاقية لافتة: «حبس الحب أخطر ما يمكن أن تفعله سلطة». فبرأيه، معاقبة الناس على قناعاتهم أو تعاطفهم السابق مع شخصيات دينية (اعتقال الناس لمجرد حبهم فتح الله كولن، ملهم حركة الخدمة) أو سياسية يفتح الباب لدورات انتقام اجتماعي لا تنتهي.
رسالة إلى أوزغور أوزال: العدالة لا تتجزأ
وجه بيرقدار أوغلو دعوة مباشرة إلى زعيم المعارضة أوزغور أوزل لدعم ضحايا مراسيم الطوارئ، التي لا تخضع لأي رقابة قانونية أو برلمانية، معتبراً أن الدفاع عن العدالة يجب أن يشمل الجميع، لا أن يقتصر على حالات بعينها مثل رئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو.
وقال إن كان إمام أوغلو بريئاً في سجنه، فإن آخرين ممن ينتمون إلى حركة الخدمة يقبعون خلف القضبان للسبب ذاته، أي لغياب العدالة المتساوية.
البلديات والوصاية: عودة المنتخبين
فيما يتعلق بالبلديات التي عُيّن عليها أوصياء حكوميون، رأى أن الحل لا يحتاج إلى تعقيد تشريعي، بل إلى قرار سياسي يعيد رؤساء البلديات المنتخبين إلى مناصبهم، باعتبارهم أصحاب الشرعية الشعبية.
التعليم والسياسة: خطوط حمراء
انتقد بيرقدار أوغلو بشدة طرح أسئلة ذات طابع ديني أو سياسي على أطفال صغار بمدرسة في إزمير، معتبراً ذلك نوعاً من التصنيف أو «الوسم» المخالف للدستور، مستشهدا بمبدأ تاريخي يقضي بإبعاد السياسة عن المؤسسات التعليمية والقضائية والدينية لضمان حياد الدولة.
الاقتصاد والانتخابات: قراءة مختلفة للأزمة
خلافاً لخطاب يتحدث عن أزمة مالية وشيكة، رأى أن تركيا تمر بمرحلة ركود عميق أكثر من كونها أزمة مصرفية، مستبعداً انهياراً مالياً تقليدياً في ظل قدرة الدولة على التدخل النقدي. لكنه حذر من أن تعمق الركود قد يدفع نحو تشديد سياسي إذا لم يُعالج عبر إصلاحات بنيوية.
كما رجح أن السلطة ستنتظر الاستحقاق الانتخابي الدستوري بدلاً من التوجه إلى انتخابات مبكرة، في ظل حسابات معقدة تتعلق بالتحالفات والدعم البرلماني.
العفو العام: شرط المصالحة
في ختام حواره، طرح بيرقدار أوغلو فكرة عفو عام شامل من دون استثناءات، معتبراً أن أي تسوية جزئية ستعمق الانقسام، مستحضر أمثلة تاريخية على مصالحات بين أعداء سابقين، ليؤكد أن إنهاء الصراع يتطلب شجاعة سياسية تتجاوز الحسابات الآنية.
خلاصة
يرى ممدوح بيرقدار أوغلو أن جوهر الأزمة التركية ليس أمنياً فحسب، بل قانوني وأخلاقي يرتبط بتآكل مبدأ العدالة المتساوية. ويؤكد أن أي مصالحة حقيقية تبدأ بإطلاق سراح من صدرت لصالحهم أحكام قضائية، وإقرار عفو شامل يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.

