بقلم: ياوز أجار
لم يكن ما جرى في شمال وشمال شرق سوريا مجرّد تبدل ميداني في خطوط السيطرة، بل عكس تحوّلًا بنيويًا في مقاربة القوى الدولية والإقليمية لمسألة الدولة السورية، وللموقع الذي يُسمح للأكراد بشغله داخلها. فالتفكك السريع لقوات سوريا الديمقراطية لم يؤدِّ إلى محو الحضور الكردي، بقدر ما مهّد لإعادة تعريفه ضمن صيغة جديدة، تتقاطع فيها إعادة بناء الدولة المركزية مع الاعتراف السياسي والمؤسساتي المحدود بالأكراد.
فالاتفاق المعلن بين دمشق و«قسد» جاء تتويجًا لمسار طويل من التآكل الداخلي داخل هذا الكيان، وتبدّل الحسابات الأميركية، وتنامي الضغط التركي، ليؤسس لمرحلة انتقالية تُطوى فيها تجربة الإدارة الذاتية بصيغتها شبه المستقلة، مقابل إدماج الأكراد ضمن هياكل الدولة، بشروط أمنية وسياسية مضبوطة.
لماذا سقط نموذج «قسد»؟
نشأت «قسد» بوصفها أداة وظيفية في الحرب على تنظيم داعش، مستندة إلى دعم أميركي مباشر، وإلى ائتلاف هش جمع بين قيادة كردية مركزية وتشكيلات عربية وعشائرية ذات التزام مرحلي. ومع انحسار تهديد داعش، تلاشت الوظيفة التي منحت هذا الكيان شرعيته الدولية، وبات استمرار وجوده عبئًا على مشاريع إعادة الاستقرار في سوريا، لا رافعة لها.
في الداخل، كشفت السنوات الماضية هشاشة البنية السياسية للإدارة الذاتية، إذ لم تتبلور قاعدة توافق وطني عابر للإثنيات، وبقي القرار الفعلي محصورًا في النواة الكردية المرتبطة بوحدات حماية الشعب. أما في الخارج، فقد تراجعت قناعة واشنطن بجدوى الإبقاء على كيان شبه مستقل في الشمال الشرقي، في ظل أولويات جديدة تركّز على تقليص الانخراط المباشر، ومنع تفكك سوريا إلى كيانات متناحرة.
الاتفاق مع دمشق: خسارة جغرافيا وربح اعتراف
على المستوى الظاهر، أسفر الاتفاق عن تقلّص كبير في المساحات التي كانت «قسد» تسيطر عليها، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية العربية مثل الرقة ودير الزور، حيث انتقلت السيطرة إلى الدولة المركزية أو إلى ترتيبات أمنية جديدة. غير أن هذا التراجع الجغرافي لم يكن انسحابًا من مناطق الثقل الديمغرافي الكردي، بقدر ما مثّل إعادة تموضع نحو نطاق أكثر تجانسًا.
في المقابل، حقق الأكراد مكاسب نوعية غير مسبوقة، تمثلت في الاعتراف السياسي والمؤسساتي بوجودهم ضمن الدولة السورية. فقد نصّ التفاهم على دمج تدريجي لقوات «قسد» في الجيش السوري، مع إنشاء تشكيلات عسكرية ذات غالبية كردية، تشمل فرقة عسكرية تتمركز في الحسكة وألوية مرتبطة بمحور كوباني–حلب. كما أُقرّ نموذج أمني مختلط في المدن الكردية الكبرى، تتولى فيه قوى الشرطة التابعة لوزارة الداخلية، بالتعاون مع عناصر أمن محلية كردية، إدارة الشؤون الأمنية.
من مشروع سياسي إلى وظيفة دستورية محدودة
لم يقتصر الاتفاق على الترتيبات العسكرية، بل امتد إلى البعد الثقافي والسياسي. إذ جرى تثبيت حقوق اللغة والهوية والتعليم باللغة الأم، ودمج مؤسسات «روجافا» ضمن هيكل الدولة، بما يحوّل التجربة الكردية من مشروع حكم ذاتي عابر للحدود إلى كيان معترف به ضمن الإطار السيادي السوري.
بهذا المعنى، تجاوزت الصيغة الجديدة الطروحات الروسية القديمة حول «اللامركزية الثقافية»، وانتقلت إلى نموذج أكثر تركيبًا، يمنح الأكراد هامشًا سياسيًا وأمنيًا محدودًا، دون أن يرقى إلى مستوى الفيدرالية أو تقاسم السيادة. وهو ما جعل الواقع الكردي السوري الجديد أقرب إلى كيان سياسي منزوع الجغرافيا الواسعة، لكنه محصّن باعتراف قانوني ومؤسساتي.
التوافق الأميركي–التركي: هندسة الاستقرار بدل إدارة الفوضى
شكّل هذا التحول ثمرة توافق غير معلن بين واشنطن وأنقرة. فالولايات المتحدة رأت في إنهاء دور «قسد» كفاعل مستقل مدخلًا لتخفيف عبء الملف السوري، وتسليم إدارته إلى ترتيبات إقليمية مضبوطة. أما تركيا، فقد وجدت في هذا المسار فرصة لتحجيم النفوذ الكردي المسلح على حدودها، دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
وبينما كانت أنقرة تعارض سابقًا أي صيغة تعترف بالأكراد، انتهت عمليًا إلى القبول بنموذج أكثر تقدمًا من حيث النتائج، طالما أنه يُفرغ المشروع الكردي من طابعه الانفصالي، ويُعيد ضبطه داخل دولة مركزية قادرة على ضبط الحدود.
إسرائيل والأنغلوساكسون
في السياق الأوسع، أتاح سقوط نظام الأسد وصعود سلطة جديدة في دمشق لإسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا إعادة ترتيب المشهد السوري. فقد أُزيح خصم تقليدي، واستُبدل بنظام أكثر قابلية للتكيّف مع التوازنات الإقليمية والمصالح الأمريكية والغربية، فيما جرى استيعاب الأكراد كحليف ثانوي، سياسيًا وأمنيًا، دون منحهم استقلالًا فعليًا.
هذا النموذج، القائم على كيانات كردية محدودة جغرافيًا ومقيّدة استراتيجيًا، ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية طويلة الأمد، التي تفضّل وجود شركاء محاصرين ومعتمدين، لا كيانات مستقلة يصعب ضبطها.
روسيا وإيران: خسارة مُدارة وحدود النفوذ
أما روسيا، فقد تعاملت مع التحول السوري بمنطق تقليص الخسائر، محافظة على قواعدها ونفوذها الأدنى، دون أن تكون اللاعب المهيمن. في المقابل، بدت إيران الخاسر الأكبر، مع انحسار دورها في سوريا الجديدة، وتراجع قدرتها على التأثير في بنيتها السياسية والأمنية.
الانعكاسات على تركيا
يكتسب الواقع الكردي السوري أهمية مضاعفة في الداخل التركي، حيث يجد أكراد تركيا أنفسهم أمام نموذج إقليمي يمنح نظراءهم في سوريا والعراق حقوقًا لغوية وأمنية وعسكرية أوسع مما هو متاح داخل الدولة التركية نفسها. هذه المفارقة مرشحة لتغذية مطالب جديدة، وإعادة فتح ملف الحل السياسي، ولكن ضمن بيئة تتسم بالأداتية والبراغماتية لا بالديمقراطية.
خلاصة
ما جرى في شمال شرق سوريا لا يمثل انتصارًا كاملًا ولا هزيمة مطلقة، بل إعادة ضبط للواقع الكردي ضمن مشروع إعادة مركزية الدولة. فقد خسر الأكراد الجغرافيا الواسعة، لكنهم كسبوا اعترافًا سياسيًا ومؤسساتيًا غير مسبوق، في إطار توافقات دولية ترى في الاستقرار أولوية تتقدم على الديمقراطية.

