تستعد المفوضية الأوروبية لطرح مقترح جديد ضمن أجندتها الصناعية، يقوم على تقييد الوصول إلى سوق المشتريات العامة في الاتحاد الأوروبي وفق معايير محتوى محلي مرتفعة، في خطوة تُعرف سياسيًا وإعلاميًا بدفع «صُنع في أوروبا» أو «اشترِ الأوروبي».
المقترح يفتح الباب أمام فرض نسب مكوّن محلي قد تصل إلى سبعين بالمئة في بعض المناقصات العامة، ما يهدد بإقصاء موردين من خارج الإطار الأوروبي، ومن بينهم تركيا، عن جزء مؤثر من هذا السوق.
المشتريات العامة تشمل طيفًا واسعًا من الإنفاق الحكومي، من وسائل النقل والبنية التحتية للطاقة، إلى تجهيزات المباني العامة والمشروعات الخضراء. وبسبب حجمها واستقرارها، ينظر الاتحاد الأوروبي إليها كأداة استراتيجية لإعادة توجيه سلاسل التوريد وتعزيز التصنيع داخل القارة.
أهداف أوروبية وسياق دولي ضاغط
المبادرة الأوروبية تُقدَّم بوصفها استجابة لمنافسة عالمية متصاعدة، وسعيًا لتقليل الاعتماد على الواردات، لا سيما القادمة من الصين، بالتزامن مع توسع أوروبا في صناعات الطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية.
المقترح يشمل مشتريات عامة مرتبطة بالتقنيات الخضراء، مثل البطاريات ومكونات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والسيارات الكهربائية، مع اشتراطات يُتوقع أن تصبح أكثر تشددًا تدريجيًا.
ضمن الصياغة المقترحة، يُعاد تعريف «أوروبا» على نحو يقتصر على دول الاتحاد الأوروبي إضافة إلى دول المنطقة الاقتصادية الأوروبية، ما يعني عمليًا استبعاد الشركاء الصناعيين المرتبطين بالاتحاد عبر ترتيبات خاصة، وفي مقدمتهم تركيا.
مخاطر مباشرة على سلاسل التوريد التركية
تحليلات اقتصادية تركية حذّرت من أن هذه الخطوة قد تقيد وصول الشركات التركية إلى ما يقارب خمسة عشر بالمئة من السوق الأوروبية، وهي حصة تمثل المشتريات العامة.
الأثر المحتمل لا يقتصر على التصدير المباشر، بل يهدد سلاسل توريد متشابكة بُنيت على مدى عقود، خاصة في قطاعات السيارات وقطع الغيار، حيث تُعد تركيا قاعدة إنتاج متكاملة لعلامات أوروبية كبرى، تُصدّر مركبات مكتملة وأجزاء صناعية إلى داخل الاتحاد منذ منتصف التسعينيات.
تحرك سياسي ودبلوماسي تركي
في مواجهة هذا المسار، تشير المعطيات إلى تحرك تركي على أعلى المستويات. فقد وجّه الرئيس رجب طيب أردوغان رسالة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية في محاولة لتفادي إقصاء تركيا من هذا الإطار الجديد.
بالتوازي، كثّفت منظمات الأعمال التركية اتصالاتها في العواصم الأوروبية، معتبرة أن أي تجاهل للاتحاد الجمركي القائم بين الطرفين يتعارض مع التزامات تجارية راسخة.
المسودة الأوروبية تؤكد التزام الاتحاد باتفاقاته الدولية، وهو ما تستند إليه الأوساط الاقتصادية التركية للمطالبة باعتبار الاتحاد الجمركي جزءًا من هذه الالتزامات، رغم أن المقترح يمنح المفوضية هامش قرار واسع لتحديد أهلية الشركاء غير الأوروبيين على أساس كل منتج على حدة.
موقف مجتمع الأعمال: تفهّم مشروط وتحذير من الانغلاق
رئيس اتحاد الغرف والبورصات التركية رأى أن سعي أوروبا لتعزيز مرونتها الصناعية مفهوم في ظل التحولات العالمية، لكنه حذّر من الانزلاق نحو سياسات حمائية قد تُضعف التكامل القائم منذ ما يقرب من ثلاثة عقود.
وأشار إلى أن الاتحاد الجمركي، بصيغته الحالية، لم يعد يستجيب لمتطلبات التجارة والاستثمار الحديثة، مؤكدًا أن تحديثه بات ضرورة لا تهم الاقتصاد فقط، بل تشمل التنافسية والمواءمة الاستراتيجية والأمن المتبادل.
قطاع السيارات في الواجهة
من داخل الصناعة، عبّر مسؤولون تنفيذيون سابقون في قطاع السيارات عن قلقهم من استبعاد تركيا من سوق تُعد جزءًا من منظومة الإنتاج الأوروبية منذ عام 1996.
هذا الإقصاء، في نظرهم، لا يمس الصادرات فحسب، بل يضرب نموذجًا صناعيًا متكاملًا يقوم على توزيع الإنتاج بين تركيا ودول الاتحاد.
قراءة استراتيجية أوسع
مراكز أبحاث وخبراء في السياسة الاقتصادية حذّروا من أن الخسائر المحتملة لن تكون متساوية بين القطاعات، بل ستتركز في الصناعات كثيفة الطاقة مثل السيارات، الحديد والصلب، الألمنيوم، الإسمنت ومواد البناء.
ويرى محللون أن الاتحاد الجمركي، الذي صُمم وفق شروط تسعينيات القرن الماضي، بات متجاوزًا للواقع الحالي، وأن أي تأخر تركي في الإصلاحات الاقتصادية والسياسية سيضعف قدرتها التفاوضية في مواجهة هذا التحول الأوروبي.
مفترق طرق اقتصادي
في جوهره، يضع مقترح «صُنع في أوروبا» العلاقات الاقتصادية بين أنقرة وبروكسل أمام مفترق طرق حاسم: إما إعادة تعريف الشراكة على أسس أكثر شمولًا وتحديثًا، أو الدخول في مرحلة من التهميش التدريجي داخل أكبر سوق ترتبط به الصناعة التركية.
الخلاصة
المبادرة الأوروبية الجديدة للمشتريات العامة تهدد بإعادة رسم حدود السوق أمام تركيا، بما يحمل مخاطر اقتصادية مباشرة على قطاعات استراتيجية، ويكشف في الوقت نفسه هشاشة الإطار الحالي للاتحاد الجمركي وضرورة تحديثه.

