يشهد المشهد السوري تحوّلًا متسارعًا يحمل دلالات سياسية عميقة، تتجاوز حدود الداخل السوري إلى الإقليم بأكمله. فبعد أكثر من عقد على اندلاع الأزمة، تبدو سوريا وكأنها تنتقل من مرحلة التفكك والفوضى المتعددة اللاعبين إلى طور سياسي مختلف، تُعاد فيه صياغة التوازنات، وتُراجع فيه القوى الكبرى حساباتها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
يرى الكاتب الصحفي التركي آدم ياوز أرسلان أن التطورات الأخيرة لا تعبّر عن تعديل تكتيكي محدود في السياسة الأميركية، بل عن إعادة تموضع أوسع، سيكون لها أثر مباشر على طبيعة العلاقات التركية–الأميركية، وعلى شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
نهاية مرحلة “سوريا ما بعد الربيع العربي”
لطالما شكّلت سوريا إحدى أكثر ساحات الصراع تعقيدًا في مرحلة ما بعد الربيع العربي، حيث تداخلت الجيوش الأجنبية مع الميليشيات المحلية، وتقاطعت المصالح الإقليمية مع المشاريع الدولية. إلا أن هذه المرحلة، بحسب أرسلان، توشك على الانتهاء.
التحول الأبرز يتمثل في إعلان واشنطن دعمها العلني للحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، بالتوازي مع تأكيدها أن شراكتها مع قوات سوريا الديمقراطية قد وصلت إلى نهايتها السياسية والعسكرية.
الرسالة الأميركية لأنقرة
بالنسبة لتركيا، يحمل هذا التحول وزنًا استثنائيًا. فالتعاون الأميركي مع قوات سوريا الديمقراطية، التي يشكل حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب عمودها العسكري، كان على مدى سنوات الخلاف الأكثر حساسية بين أنقرة وواشنطن داخل حلف شمال الأطلسي.
تعتبر تركيا هذه الوحدات الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني، المصنف تنظيمًا إرهابيًا لدى أنقرة وواشنطن والاتحاد الأوروبي، وهو ما جعل الملف السوري عبئًا دائمًا على العلاقات الثنائية.
الرسالة الأميركية اليوم، كما يقرأها أرسلان، غير قابلة للتأويل: التحالف مع قوات سوريا الديمقراطية لم يكن يومًا مشروعًا دائمًا، بل ترتيبا فرضته ظروف طارئة مرتبطة بمحاربة تنظيم داعش.
من تحالف ميداني إلى وهم سياسي
تعود جذور هذا التعاون إلى عام سيطر فيه تنظيم داعش على مساحات واسعة من سوريا والعراق، في وقت كانت فيه واشنطن تفتقر إلى شركاء محليين فاعلين على الأرض. غير أن ما بدأ كتنسيق عسكري مؤقت، تطور مع الزمن إلى علاقة شبه سياسية.
إدارة المناطق، وبناء هياكل حكم محلية، وتوقعات بالحصول على ضمانات أمنية غربية طويلة الأمد، كلها عناصر دفعت القيادات الكردية للاعتقاد بأن الشراكة العسكرية ستتحول إلى اعتراف سياسي أو حكم ذاتي مستقر.
لكن الإعلان الأميركي عن انتهاء هذه المرحلة شكّل صدمة لهذه القوى، رغم أن المؤشرات الاستراتيجية، وفق أرسلان، كانت توحي منذ وقت طويل بأن هذا المسار غير قابل للاستمرار.
سقوط النظام القديم يغيّر الحسابات
التحول الجذري في دمشق، وسقوط نظام بشار الأسد، وبروز سلطة مركزية جديدة، غيّر معادلة واشنطن بالكامل. فالولايات المتحدة باتت تفضّل التعامل مع حكومة قائمة، مهما كانت هشّة، على إدارة المشهد السوري عبر فاعلين غير دولتيين.
يتزامن ذلك مع عودة النقاش داخل واشنطن حول الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من سوريا، بعد أن فشلت محاولات سابقة بسبب مقاومة داخل البنتاغون والمؤسسات الأمنية. إلا أن الزخم السياسي بات اليوم أقوى من أي وقت مضى منذ عام شهد محاولات الانسحاب الأولى.
سوريا ضمن إعادة تموضع عالمي أوسع
يشدد آدم ياوز أرسلان على أن ما يحدث في سوريا لا يمكن فصله عن التحول الأوسع في الاستراتيجية الأميركية عالميًا. فالمنافسة طويلة الأمد مع الصين باتت أولوية مطلقة، ما أدى إلى تراجع مكانة الشرق الأوسط في الحسابات الأميركية مقارنة بمرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
عمليات مكافحة الإرهاب، وبناء الدول، والانتشار العسكري المفتوح، فقدت زخمها السياسي داخل واشنطن، سواء لدى الديمقراطيين أو الجمهوريين. وفي هذا السياق، لم تعد سوريا تمثل ساحة تستحق استثمارًا طويل الأمد.
من إدارة الصراعات إلى منع الانفجار
النهج الأميركي الجديد يركّز على منع الانزلاق إلى الفوضى، لا على إعادة تشكيل الدول. الهدف هو إدارة الحد الأدنى من الاستقرار دون تورط عسكري عميق، وهو ما يفسر تراجع الحماسة الأميركية لحماية تحالفات مع مجموعات مسلحة غير رسمية.
في هذا الإطار، بدأت المخاوف الأمنية التركية، خصوصًا على الحدود الجنوبية، تحظى باهتمام أميركي أكبر من السابق، في ظل إدراك متزايد بأن تجاهل هذه المخاوف كان أحد أسباب تعقيد المشهد.
دمشق الجديدة… وأنقرة
يشير أرسلان إلى أن تركيا، للمرة الأولى منذ عقود، تتعامل مع سلطة في دمشق لا تقوم بنيتها على العداء الممنهج لأنقرة. هذا التحول وحده كفيل بإعادة رسم خريطة العلاقات الإقليمية، ويفتح الباب أمام تنسيق أمني وسياسي مختلف، حتى وإن ظل محفوفًا بالحذر.
تراجع دور الميليشيات وصعود منطق الدول
أحد الملامح الجوهرية للتحول الأميركي يتمثل في تفضيل العمل مع الدول على حساب الميليشيات والتنظيمات الهجينة. ففي زمن أصبحت فيه الولايات المتحدة منتجًا رئيسيًا للطاقة، لم تعد المنطقة ذات الأهمية ذاتها التي كانت عليها خلال الحرب الباردة وما بعدها.
في المقابل، تعتمد الصين بشكل كبير على الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، ما يجعل واشنطن حريصة على الحفاظ على علاقات مستقرة مع حكومات قائمة، بدل الاستثمار في فواعل غير مستقرة.
ما الذي تنتظره واشنطن من أنقرة؟
في مقابل هذا التحول، تبرز توقعات أميركية واضحة من تركيا، أبرزها لعب دور محوري في كبح النفوذ الإيراني داخل سوريا. فشبكات طهران العسكرية، التي استندت لسنوات إلى الميليشيات ونظام الأسد، تضررت بشكل كبير بعد التغيير السياسي في دمشق.
تنظر واشنطن إلى انخراط أنقرة البراغماتي مع القيادة السورية الجديدة بوصفه عامل توازن يمنع إعادة تشكل الممر الإيراني الممتد من العراق إلى لبنان.
البعد الإسرائيلي في الحسابات الأميركية
لا يغيب العامل الإسرائيلي عن هذا المشهد. فالولايات المتحدة لا تزال ترى في تطبيع العلاقات بين أنقرة وتل أبيب جزءًا من هيكلها الإقليمي الأشمل، رغم إدراكها أن الظروف الحالية، في ظل الحرب على غزة والانقسام الداخلي الإسرائيلي، لا تسمح بخطوات سريعة.
في هذا السياق، يلفت أرسلان إلى أن محدودية الاعتراض الإسرائيلي على العمليات الأخيرة ضد قوات سوريا الديمقراطية تعكس نوعًا من التوافق الضمني على خفض التصعيد، بعيدًا عن المواجهة المفتوحة.
هل تفتح التحولات باب الملفات العالقة؟
مع تراجع ملف قوات سوريا الديمقراطية، تعود قضايا أخرى إلى الواجهة، وفي مقدمتها أزمة منظومة الدفاع الجوي الروسية، وخروج تركيا من برنامج الطائرات المقاتلة.
تشهد واشنطن نقاشات جديدة حول إمكانية إيجاد مخرج سياسي من هذا المأزق، غير أن القيود التشريعية، ومعارضة الكونغرس، والعقوبات المفروضة، تجعل أي اختراق جذري أمرًا بالغ الصعوبة.
أي تقدم محتمل، كما يرى أرسلان، سيكون تدريجيًا وبطيئًا، وليس تحوليًا.
تحوّل بنيوي لا علاقة له بالأشخاص
يختم الكاتب بالتأكيد على أن التقارب النسبي الحالي بين أنقرة وواشنطن لا يرتبط بعلاقات شخصية بين القادة، بل بتحول بنيوي في السياسة الأميركية.
فالولايات المتحدة تعيد تعريف دورها العالمي، مبتعدة عن التدخل الواسع، ومتجهة نحو سياسة انتقائية قائمة على المصالح، وتقاسم الأعباء، والدبلوماسية البراغماتية.
بغضّ النظر عن نتائج الانتخابات الأميركية المقبلة، فإن مرحلة الانخراط الواسع في الشرق الأوسط تبدو من الماضي.
سوريا… ليست استثناءً بل إشارة
من هذا المنظور، لا تمثل سوريا حالة خاصة، بل إشارة مبكرة إلى شكل المرحلة المقبلة في العلاقات التركية–الأميركية، مرحلة تحكمها الحسابات الجيوسياسية الباردة، لا الاعتبارات الأيديولوجية.
خلاصة
التحول الأميركي في سوريا يعكس إعادة تموضع استراتيجية أوسع، تضع المصالح الصلبة فوق التحالفات المؤقتة. وفي هذا السياق، تبرز تركيا لاعبًا محوريًا في معادلة إقليمية جديدة تتشكل على أنقاض مرحلة كاملة.

