تكشف بيانات التجارة الدولية عن مفارقة لافتة في العلاقات التركية–الإسرائيلية خلال الأعوام الأخيرة، إذ أظهرت أرقام منشورة عن حركة التبادل التجاري أن تركيا كانت من بين أكبر الشركاء التجاريين لإسرائيل خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2023.
ووفق المعطيات التي أوردها موقع “توركيش مينوت” استناداً إلى إحصاءات رسمية، جاءت تركيا إلى جانب الولايات المتحدة والصين وألمانيا ضمن قائمة أبرز الشركاء التجاريين لتل أبيب خلال تلك السنوات الخمس.
وتشير البيانات إلى أن حجم التبادل التجاري بين أنقرة وتل أبيب خلال هذه الفترة بلغ نحو 35.7 مليار دولار، ما مثّل قرابة 4.8 في المئة من إجمالي تجارة إسرائيل، وهو رقم يعكس عمقاً اقتصادياً لافتاً استمر رغم التوترات السياسية المتكررة والخطاب التركي الحاد تجاه السياسات الإسرائيلية.
غزة تغيّر الخطاب… لا الأرقام
اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023 شكّل نقطة تحول سياسية حادة. فقد صعّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لهجته، وقدم نفسه كأحد أكثر المنتقدين حدة لإسرائيل على الساحة الدولية، في وقت تصاعد فيه الضغط الداخلي في تركيا بسبب استمرار العلاقات التجارية مع تل أبيب بعد بدء العمليات العسكرية.
هذا التناقض بين الخطاب والممارسة فتح الباب أمام انتقادات واسعة، خاصة مع استمرار تدفق البضائع التركية إلى السوق الإسرائيلية لأشهر بعد اندلاع الحرب، وهو ما دفع الحكومة التركية لاحقاً إلى الإعلان عن قيود على الصادرات في أبريل 2024، ثم الإعلان عن وقف كامل للتجارة.
مسارات بديلة خلف الحظر المعلن
رغم إعلان أنقرة تعليق التبادل التجاري، كشفت تقارير تتبع تجاري ووسائل إعلام دولية عن استمرار حركة الشحن عبر قنوات غير مباشرة. أحد هذه المسارات تمثل في الموانئ اليونانية، حيث أظهرت بيانات صادرة عن جمعية المصدرين الأتراك ارتفاع الصادرات التركية إلى اليونان بنسبة 71 في المئة خلال مايو 2024 مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى 375 مليون دولار، وسط مؤشرات على إعادة تصدير جزء من هذه البضائع لاحقاً إلى إسرائيل.
مسار آخر مر عبر الأراضي الفلسطينية، إذ سجّلت الصادرات التركية إلى هذه المناطق قفزة غير مسبوقة بلغت 423 في المئة خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024. ووفق مراقبين، استُخدمت مستندات شحن تُظهر فلسطين كوجهة نهائية، في حين كانت البضائع تدخل فعلياً إلى الموانئ الإسرائيلية.
النفط في قلب الجدل
لم تقتصر الاتهامات على السلع التجارية التقليدية، بل امتدت إلى قطاع الطاقة. فقد أشار تقرير مدعوم من حملة “أوقفوا تزويد الإبادة بالوقود” إلى تنفيذ عشر شحنات نفط خام من تركيا إلى إسرائيل خلال عام 2024، رغم إعلان الحظر التجاري. هذه المعطيات عززت الاتهامات بأن البنية التحتية والموانئ التركية ظلت جزءاً من سلسلة إمداد تخدم العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وتدعم هذه الصورة بيانات قاعدة إحصاءات التجارة الدولية التابعة للأمم المتحدة، التي أظهرت أن تركيا كانت خامس أكبر مورد لإسرائيل خلال عام 2024، بإجمالي صادرات بلغ 2.86 مليار دولار، في تناقض واضح مع الخطاب الرسمي المعلن.
سياق قانوني وإنساني ضاغط
يتزامن هذا الجدل التجاري مع تصاعد غير مسبوق في الاتهامات الدولية لإسرائيل بارتكاب جريمة إبادة جماعية في غزة. فمنذ أكتوبر 2023، حذّر خبراء أمميون ومنظمات حقوقية ومحاكم دولية من أن الحصار والقصف والتهجير القسري للفلسطينيين يندرج ضمن تعريف الإبادة الجماعية.
محكمة العدل الدولية أصدرت ثلاث مجموعات من التدابير المؤقتة طالبت فيها إسرائيل بمنع الإبادة والسماح بدخول المساعدات ووقف عملياتها في رفح. كما خلصت منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في ديسمبر 2024 إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، وهو توصيف عززته تقارير إسرائيلية مستقلة، بينها بتسيلم وأطباء لحقوق الإنسان، التي وثقت في عام 2025 هجمات منهجية على المستشفيات ومنعاً واسعاً للرعاية الطبية.
وفي نهاية أغسطس، أقرّت الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية قراراً يعتبر أن أفعال إسرائيل تستوفي الشروط القانونية للإبادة، أعقبه في سبتمبر تقرير للجنة تحقيق أممية أكد ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة، مستنداً إلى حجم القتل وظروف الحياة المفروضة وتصريحات مسؤولين إسرائيليين كبار.
غزة… المأساة المستمرة
رغم دخول وقف إطلاق نار حيّز التنفيذ في أكتوبر، لم تتوقف الضربات الإسرائيلية المميتة على قطاع غزة. وتشير السلطات الصحية المحلية إلى أن عدد القتلى تجاوز 71 ألف شخص، فيما لا يزال القطاع يرزح تحت أزمة إنسانية خانقة.
وفي هذا السياق، أشار تقرير أممي صدر في أكتوبر إلى أن تركيا كانت من بين الدول التي ساهمت في تمكين الإبادة، مستنداً إلى بيانات تجارية أظهرت استمرار شحنات النفط وعمليات إعادة التصدير من موانئ تركية إلى إسرائيل عبر وسطاء، رغم إعلان تعليق التجارة.
خلاصة
تكشف الأرقام التجارية عن فجوة عميقة بين الخطاب السياسي التركي المندد بإسرائيل والممارسات الاقتصادية الفعلية، حيث استمر تدفق السلع والطاقة عبر قنوات مباشرة وغير مباشرة. وفي ظل تصاعد التوصيفات القانونية لما يجري في غزة، بات هذا التناقض محل تدقيق دولي متزايد وضغط أخلاقي وقانوني يصعب تجاهله.

