وفق قراءة تحليلية نشرتها صحيفة “العرب” اللندنية في تقريرها المعنون “اعتقالات إعلاميين في تركيا رسالة تحذير لهاكان فيدان من بناء نفوذ إعلامي مواز”، لم تعد قضية توقيف عدد من الإعلاميين الأتراك محصورة في إطار جنائي ضيق، بل تحولت إلى مؤشر سياسي ثقيل الدلالة على احتدام الصراع داخل مراكز القوة في حزب العدالة والتنمية، مع اقتراب مرحلة ما بعد رجب طيب أردوغان.
القضية التي تصدّرها اسم الإعلامي محمد عاكف أرصوي، رئيس التحرير السابق لقناة خبر ترك، بدأت بملفات تتعلق بتهم مخدرات وسلوكيات شخصية، لكنها سرعان ما اتخذت طابعًا سياسيًا أوسع، بعدما جرى توظيفها إعلاميًا وقضائيًا على نحو كشف هشاشة التوازنات داخل النظام الحاكم.
تفاصيل الحملة الأمنية وتوسّعها
تشير المعطيات التي أوردتها “العرب” إلى أن العملية الأساسية انطلقت في الخامس من ديسمبر، حين داهمت قوات الدرك في إسطنبول منازل ثلاث مذيعات معروفات في قنوات تلفزيونية بارزة، هن إيلا روميسا جيبيسي، هاندي ساري أوغلو، وميلتم أسيتم. وأسفرت المداهمات عن العثور على كميات محدودة من مواد مخدرة، أعقبها نقل الموقوفات إلى مراكز الشرطة وإخضاعهن لفحوصات طبية إجبارية في معهد الطب الشرعي، شملت تحاليل الدم والشعر.
ومع اتساع التحقيق، أعلنت نيابة إسطنبول صدور أوامر توقيف بحق ثمانية أشخاص بتهم تتعلق بحيازة أو استخدام مواد مخدرة أو توفير أماكن لاستخدامها. وشملت القائمة محمد عاكف أرصوي نفسه، إلى جانب محررة الأخبار الخارجية في خبر ترك إليف كيلينش، وأسماء أخرى من الوسط الإعلامي. وقد جرى توقيف أرصوي داخل مكتبه، فيما استمرت الملاحقات بحق مشتبهين آخرين.
محمد عاكف أرصوي … أكثر من مجرد صحفي
ترى “العرب” أن أرصوي لا يُقرأ بوصفه صحفيًا عاديًا، بل كشخصية ذات جذور عميقة في التيار الإسلامي السياسي. فقد تلقى تعليمه في مدارس دينية، ويتحدث العربية بطلاقة، وعمل في مؤسسات إعلامية مرتبطة بشبكات الإسلام السياسي التركي داخل تركيا وخارجها. لذلك، فإن الحملة الإعلامية العنيفة التي استهدفته، خاصة من صحف مقربة من السلطة، بدت أشبه بـ”إعدام معنوي” مقصود، هدفه توجيه رسائل ردع داخل الحزب الحاكم.
الإعلام كسلاح في صراعات الداخل
بحسب التحليل، تكشف القضية نمطًا متكررًا في السياسة التركية، حيث يُستخدم القضاء والإعلام معًا لتصفية الحسابات داخل النخبة الحاكمة. فحتى لو لم تفضِ التهم إلى أحكام ثقيلة، فإن تعميم الإدانة اجتماعيًا يحقق الغاية السياسية المطلوبة، ويجعل من التشهير أداة لإضعاف الخصوم قبل أي مواجهة مباشرة.
وترى الصحيفة أن ما جرى مع أرصوي ليس سوى فتيل لصراع أكبر، إذ تتحرك كواليس أنقرة في محاولة لاحتواء تداعيات أوسع، وسط مخاوف من ردود فعل مضادة قد تخرج الخلافات إلى العلن بشكل غير مسبوق.
هاكان فيدان في قلب الاستهداف
تضع “العرب” وزير الخارجية هاكان فيدان في صلب هذه المعركة. فرغم تأكيده العلني أنه يركز على مهامه الدبلوماسية فقط، إلا أن دوائر سياسية ترى في ذلك غير مقنع، في ظل الحديث المتكرر عن علاقته بأرصوي منذ فترة رئاسته لجهاز الاستخبارات، وعن مخاوف داخلية من سعيه لبناء نفوذ إعلامي مستقل.
وتشير القراءة إلى أن أي محاولة لبناء قاعدة إعلامية خارج السيطرة التقليدية للعائلة الحاكمة تُقابل بحساسية مفرطة. فقد أثارت تحركات سابقة مرتبطة بقنوات إعلامية، من بينها مشروع إحياء قناة فلاش، قلقًا داخل الدائرة الضيقة المحيطة بأردوغان، خاصة لدى نجله بلال، الذي يُنظر إليه بوصفه حارس المصالح العائلية في قطاع الإعلام.
احتكار الإعلام ومعركة الخلافة
في هذا السياق، ترى “العرب” أن الإعلام لم يعد مجرد أداة تأثير، بل بوابة مباشرة للسيطرة على المناصب السياسية في أنقرة. فاحتكار المنصات الإعلامية يُعد ضمانة أساسية للتحكم بالمسار السياسي، ولا يُسمح لأي شخصية نافذة، مهما بلغ قربها من الرئيس، ببناء رأس مال إعلامي مستقل.
وتربط الصحيفة هذه التطورات بالتحضيرات غير المعلنة لمرحلة ما بعد أردوغان، حيث يُنظر إلى فيدان كأحد الأسماء المرشحة للعب دور محوري في المستقبل، بفضل خلفيته الأمنية وقربه السابق من مركز القرار. غير أن هذا الطموح يصطدم بمقاومة قوية من الدائرة العائلية التي تسعى إلى إبقاء النفوذ داخل الإطار الأسري، في مواجهة أسماء أخرى يجري تداولها في كواليس السلطة.
مشهد متآكل ومعركة بلا ضوابط
تخلص “العرب” إلى أن الصراع داخل الحزب الحاكم بات أكثر شراسة، بعدما تراجع التركيز على الخصوم الخارجيين لصالح تصفية الحسابات الداخلية. ومع تآكل الضوابط الأخلاقية والقانونية، باتت الأدوات نفسها التي استُخدمت لسنوات ضد المعارضة تُوجَّه اليوم إلى الداخل، في مشهد يعكس أزمة بنيوية في النخبة الحاكمة.

