أثار رئيس حزب الحركة القومية التركي، دولت بهجلي، حليف الرئيس رجب طيب أردوغان، جدلاً واسعاً بعد إعلانه استعداده لزيارة زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في سجن إمرالي، في حال امتنعت اللجنة البرلمانية الجديدة عن القيام بهذه الخطوة.
وجاءت تصريحاته في توقيت يشهد تجاذباً سياسياً داخل السلطة، وتلميحات متزايدة عن تباينات بين بهجلي وحزب العدالة والتنمية الحاكم.
لجنة برلمانية جديدة ومساعٍ لإطار قانوني للحوار
تعمل في البرلمان التركي هيئة جديدة تحمل اسم لجنة التضامن الوطني والأخوّة والديمقراطية، مهمتها وضع أسس قانونية لانتقال محتمل من الصراع المسلح إلى مسار سياسي. ومنذ بداية عملها في أغسطس، يجري النقاش حول أهمية التواصل مع أوجلان، باعتباره طرفاً محورياً في أي عملية سلام جديدة.
بهجلي انتقد استمرار الجدل داخل البرلمان بشأن زيارة إمرالي، مؤكداً أن أي حوار جاد لا يمكن أن يتحقق دون انخراط مباشر مع أوجلان، الذي يقضي حكماً بالسجن المؤبد منذ 1999 في جزيرة إمرالي.
عرض بهجلي: رسالة سياسية أم خطوة نحو مفاوضات جديدة؟
قال بهجلي إنه مستعد لزيارة إمرالي برفقة ثلاثة من كوادر حزبه إذا ترددت اللجنة عن اتخاذ القرار، لافتاً إلى أنه سبق أن دعا اللجنة إلى زيارة أوجلان في أكتوبر، وأعاد التأكيد على هذا الموقف مطلع نوفمبر.
هذه التصريحات أثارت تساؤلات حول دلالاتها السياسية، خاصة في ظل رصد مؤشرات توتر داخل تحالفه مع الحزب الحاكم. فبينما يقدّم نفسه داعماً لمسار الحوار، يُنظر إلى موقفه أيضاً كضغط سياسي ورسالة ضمن توازنات السلطة.
مواقف داعمة ومواقف ساخرة: انقسام سياسي حول الزيارة
أبدى تونجر باقرهان، الرئيس المشارك لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، ترحيبه بموقف بهجلي، معتبراً أنه يُظهر استعداداً لتحمل المسؤولية، وداعياً اللجنة البرلمانية إلى حسم قرارها سريعاً. وأكد أن المرحلة الثانية من عملية السلام تتطلب خطوات قانونية وسياسية متمايزة عمّا سبق، خصوصاً بعد إعلان حزب العمال الكردستاني في مايو وقف حملته المسلحة.
من جانبه، أوضح وزير العدل يلماز تونج أن أي زيارة لجزيرة إمرالي، حيث يقبع عبد الله أوجلان، يجب أن تستند إلى قرار رسمي من اللجنة البرلمانية، في إشارة إلى أن الحكومة تفضّل أن يأتي التحرك من داخل المؤسسة التشريعية.
في المقابل، اختار رئيس حزب الخير القومي المعارض مساوات درويش أوغلو الرد بسخرية عبر منصة «إكس»، مكتفياً بالقول: «فليذهب»، في تعليق يعكس موقفاً ناقداً لمحاولات إحياء أي اتصال مع أوجلان.
تصدعات داخل التحالف الحاكم: قراءة في الخلفيات
تزامنت تصريحات بهجلي مع مؤشرات جديدة على تصدّع داخل تحالف «الجمهور» الذي يجمعه بالعدالة والتنمية منذ 2018. ففي مطلع الشهر، أدلى بتصريح أثار انتباهاً واسعاً حين وصف الالتزام بقرار المحكمة الأوروبية بالإفراج عن صلاح الدين دميرتاش بأنه خطوة إيجابية للبلاد، وهو موقف يتعارض مع موقف أردوغان الرافض للقرار.
كما يرى مراقبون أن العمليات الأمنية الأخيرة التي طالت شخصيات قريبة من بهجلي تبرز وجود منافسة داخلية على النفوذ. ويذهب بعض المحللين إلى أن أردوغان يسعى لضبط مسار النقاش حول مرحلة ما بعده، بينما تشير تسريبات إلى أن بهجلي يعارض أي انتقال للسلطة داخل إطار عائلي ولا يريد لأحد من أبناء أردوغان أو أفراد عائلته أن يرث موقعاً متقدماً.
إرث مرحلة سابقة: انهيار مسار السلام الأول
تعود جذور الأزمة الكردية إلى سلسلة محاولات حوار بدأت في 2012 قبل أن تنهار في 2015. ويعزو عدد من المحللين فشل تلك المرحلة إلى تحولات سياسية داخلية، خاصة بعد نجاح حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب في عبور حاجز الانتخابات ودخول البرلمان كتلة كبيرة في يونيو 2015، ما أنهى هيمنة العدالة والتنمية على الأغلبية البرلمانية.
ردّ أردوغان حينها بالتحوّل نحو خطاب قومي وتشديد العمليات العسكرية في المناطق الكردية، ثم تعمقت الأزمة بعد محاولة الانقلاب في 2016، مع حملة اعتقالات واسعة طالت قيادات الحزب، بينهم صلاح الدين دميرتاش وفيغن يوكسكداغ، اللذين لا يزالان خلف القضبان حتى اليوم.
وبحسب منتقدين، لم تتخذ الحكومة خطوات ملموسة نحو إحياء مسار السلام طالما بقيت القيادات الكردية الأساسية رهن الاحتجاز.
تطورات سياقية حديثة: إشارة خافتة نحو المراجعة؟
في الأشهر الأخيرة، عاد ملف الصراع الكردي إلى طاولة النقاش عبر تحركات برلمانية وحزبية، إلى جانب رسائل متبادلة حول ضرورة الانتقال من الصراع المسلح إلى لغة سياسية جديدة. وتتزامن هذه المناقشات مع ضغوط داخلية ودولية تطالب بتحسين المناخ الديمقراطي، ومع تراجع اقتصادي يزيد الحاجة إلى تقليل التوترات الداخلية.
تصريحات بهجلي قد لا تُترجم مباشرة إلى خطوات عملية، لكنها تعكس إعادة ترتيب مراكز القوى داخل التحالف الحاكم، كما قد تشير إلى استعداد محتمل لإعادة تقييم أدوات التعامل مع القضية الكردية، ولو في إطار محدود أو محسوب.

