عبّر الزعيم الكردي البارز صلاح الدين دميرطاش عن دعمه الكامل لمسار السلام الجاري بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، رغم استمرار اعتقاله منذ أكثر من ثمانية أعوام.
وجاء موقف دميرطاش عبر بيان صادر عن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي عقب زيارة وفد برلماني من الحزب له ولمجموعة من الساسة الأكراد المعتقلين، في كلٍّ من سجني أدرنة وقنديرا، حيث جرت لقاءات مع الرئيسين السابقين لحزب الشعوب الديمقراطي ديميرطاش وفيجن يوكسيك داغ، ومع كل من سلكوق مزراكلِي وسمراء غوزَل.
الوفد، الذي ضم النائبين بيروين بولدان وميتات سانجار، ناقش مع المعتقلين سبل تعزيز مسار التسوية السياسية وإنجاح جهود إنهاء الصراع المسلح المستمر منذ عقود بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني.
إصرار على المساهمة في تحقيق السلام
وجاء في البيان أن دميرطاش أعلن استعداده الكامل للمساهمة في إنجاح المسار السلمي، مؤكداً أنه سيبذل كل ما بوسعه لدعم إقامة نظام ديمقراطي يكرّس العدالة والسلام في البلاد.
وفي المضمون نفسه، أبدت فيجن يوكسيك داغ، المعتقلة منذ عام 2016، تفاؤلها بإمكانية بناء مجتمع ديمقراطي وسلمي، مؤكدة التزامها الثابت بدعم هذا المسار.
وأكد الحزب أن اللقاءات كانت مثمرة للغاية، وأن جميع السياسيين الأربعة يتمتعون بصحة جيدة ومعنويات مرتفعة، مجدداً مطالبته بالإفراج عنهم، معتبراً استمرار احتجازهم “غير مبرر قانونياً أو أخلاقياً”، وداعياً الحكومة إلى “إنهاء هذا الظلم حتى يتمكن رفاقنا من المشاركة بحرية في مسيرة السلام والديمقراطية“.
ملف دميرطاش أمام القضاء الأوروبي
تتزامن هذه التطورات مع استمرار المعركة القضائية حول ملف دميرطاش، إذ لجأت الحكومة التركية مؤخراً إلى الطعن في قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، الذي دعا إلى الإفراج الفوري عنه، طالبة إحالة القضية إلى الغرفة الكبرى قبل أن يصبح القرار نهائياً.
وكانت المحكمة الأوروبية قد قضت في تموز الماضي بأن احتجاز دميرطاش لأكثر من أربع سنوات قبل محاكمته يُعدّ انتهاكاً للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، معتبرة أن الهدف من اعتقاله كان “تكميم النقاش العام والحد من الحراك الديمقراطي“.
ويُعدّ دميرطاش أحد أبرز الأصوات المعارضة في تركيا، ومعروف بانتقاداته الحادة للحكومة والرئيس رجب طيب أردوغان. وقد اعتُقل في الرابع من تشرين الثاني عام 2016 بتهم تتعلق بـ”الدعاية لمنظمة إرهابية” و”الارتباط بحزب العمال الكردستاني”، وهي تهم يعتبرها المراقبون ذات دوافع سياسية واضحة.
عودة عملية السلام وسط شكوك سياسية
عودة الحديث عن “مسار السلام” مع الأكراد تثير جدلاً واسعاً في الأوساط التركية، خاصة في ظل استمرار سجن رموز الحركة الكردية.
وكان المسار الجديد قد انطلق في تشرين الأول 2024 بمبادرة مفاجئة من زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الذي دعا زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان إلى دعوة مقاتلي الحزب لوضع السلاح وإنهاء الصراع.
وفي شباط 2025، وجّه أوجلان من محبسه في جزيرة إمرالي رسالة علنية دعا فيها التنظيم إلى “التفكك وإنهاء العمل المسلح”، تلتها خطوة رمزية في تموز، حيث أحرقت مجموعات من مقاتلي الحزب أسلحتها في شمال العراق.
غير أن استمرار اعتقال رموز سياسية كردية بارزة مثل دميرطاش ويوكسيك داغ، في وقت تُدار فيه مفاوضات مع قيادة الحزب، يثير شكوكاً بشأن صدقية نوايا الحكومة، إذ يرى مراقبون أن عملية السلام قد تتحول إلى مجرد أداة سياسية لامتصاص الضغوط الداخلية والدولية دون معالجة جوهر القضية الكردية المتمثل في العدالة والمشاركة السياسية.
قنوات تواصل جديدة بين الحكومة والحركة الكردية
على الصعيد السياسي، تواصل لجنة الحزب الكردي المكلفة بالتواصل مع أوجلان زياراتها الدورية إلى سجنه في إطار المفاوضات الجارية، ومن المقرر أن يلتقي وفدها بالرئيس أردوغان في الثامن والعشرين من تشرين الأول، في ثالث اجتماع رسمي منذ إعادة فتح قنوات الحوار بين الطرفين بعد انقطاع دام أكثر من ثلاثة عشر عاماً.
اللقاء الأول، الذي عُقد في نيسان الماضي، مثّل نقطة التحول في استئناف الحوار بين حزب العدالة والتنمية والحركة الكردية، وشارك فيه حينها النائب الراحل صِرّي سُريّا أوندر. أما الاجتماع الثاني، فقد جرى في تموز بحضور نائب رئيس الحزب الحاكم أفكان ألا ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن، ما عُدّ دلالة على وجود تنسيق مؤسسي مباشر بين الرئاسة والأجهزة الأمنية ضمن هذا المسار.

