يرى المحلل السياسي التركي البروفيسور صواش جنتش، في فيديو نشره عبر صفحته على يوتيوب، أن تركيا تشهد تطورات غير مسبوقة، إذ بدأت معلومات حساسة تتسرب من القصر الرئاسي إلى الإعلام، فيما يشهد الرأي العام للمرة الأولى حالة صدام علني بين إعلاميين محسوبين على السلطة عبر الشاشات الموالية.
ويعتبر جنتش أن تتابع هذه المؤشرات يعكس استعدادات مبكرة داخل حزب العدالة والتنمية لصراع ما بعد أردوغان، أكثر منه مجرد خلافات آنية.
صراع الأجنحة داخل العدالة والتنمية
يؤكد جنتش أن ما يحدث حالياً ليس نقاشاً حول نتائج الانتخابات المقبلة، بل هو صراع داخلي على السلطة داخل الحزب الحاكم. فهناك تيارات مختلفة تعمل على تموضع نفسها كبدائل مستقبلية؛ فناك فريق يسعى لدعم بلال أردوغان كخليفة محتمل، رغم أن صورته في الشارع التركي تثير تحفظات، وتيار آخر يراهن على شخصيات مثل هاكان فيدان أو إبراهيم قالين لإعادة صياغة الحزب بعد أردوغان، عبر التوجه نحو الوسط السياسي والتخلي عن الخطاب الإسلامي الصارم، إضافة إلى “الورثة السياسيين” من داخل العائلة، حيث يُقال إن اثنين من أصهار أردوغان يسعيان لتقديم نفسيهما كبدائل، أحدهما عبر حملات علاقات عامة مكثفة، والآخر من خلال خبراته الوزارية السابقة وشبكاته الإعلامية.
مؤشرات التوتر العلني
يشير جنتش إلى أن مؤشرات هذا الصراع خرجت إلى العلن عبر مشاهد متعددة؛ من بينها تسجيل مصور لصحفيين مقربين من السلطة في واشنطن وهم يتبادلون الاتهامات والعبارات السوقية بشأن فشل الوفد التركي في الحصول على مكاسب من المفاوضات. كذلك كشفت تصريحات هاكان فيدان عن عجز أنقرة في الحصول على محركات لمقاتلات “قآن” من الولايات المتحدة، وهو ما يتناقض مع الخطاب الرسمي ويكشف انقسامات في دوائر القرار.
مواقف موازية تكشف حجم الأزمة
في السياق ذاته، صعّد دولت بهجلي، زعيم الحركة القومية وحليف أردوغان، من لهجته تجاه واشنطن بدعوته إلى التوجه نحو الصين وروسيا، في خطوة قرأها جنتش كجزء من توزيع أدوار سياسي داخل التحالف الحاكم. بالتوازي، خرج القيادي المخضرم في الحزب الحاكم، جميل تشيتشك، محذراً من خطورة الصراعات الداخلية، وداعياً إلى التمسك بالديمقراطية والجمهورية باعتبارهما الضمانة الوحيدة لمنع انزلاق البلاد نحو الفوضى.
مخاطر انتقال الصراع إلى الشارع
يحذر جنتش من أن استمرار هذا التصاعد قد يفتح الباب أمام قوى أخرى تمتلك “القوة الصلبة” مثل الجيش والأجهزة الأمنية، في حال تدهور صحة أردوغان أو انسحابه المفاجئ من المشهد. وهنا يبرز احتمال أن تستغل التيارات القومية والعلمانية واليمينية المتشددة أي فراغ لفرض معادلات جديدة بالقوة، الأمر الذي يهدد بدخول تركيا مرحلة من الفوضى السياسية غير المحسوبة.
أزمة الشرعية و”استراتيجية يا كل شيء أو لا شيء“
يوضح جنتش أن أخطر ما يواجه النظام الحالي هو تضييق خياراته السياسية واعتماده على استراتيجية “يا كل شيء أو لا شيء”، ما جعل أجنحة داخل الحزب تتساءل: “لماذا ندفع نحن ثمن أخطاء العائلة الحاكمة؟”. هذه القناعة تدفع بعض الفاعلين إلى التفكير في إعادة التموضع بعيداً عن إرث أردوغان، سعياً لحماية أنفسهم من أي مساءلة مستقبلية.
دلالات داخلية وخارجية
كما يلفت جنتش إلى أن تصريحات أردوغان الساخرة حول صعوبة شراء الطائرات لا تشبه “شراء الحليب من المتجر”، سرعان ما ارتدت عليه بعد اعترافات مقربين من النظام بأنه لم يكن حتى على علم بمصدر محركات المقاتلات. وهو ما يكشف فجوة متزايدة بين الخطاب الدعائي والواقع السياسي والعسكري.

