تمر هذا العام الذكرى السبعون لأحداث السادس والسابع من أيلول 1955، حين تعرض اليونانيون الأرثوذكس في إسطنبول لهجمات منظمة طالت المدارس والكنائس والمطابع التجارية والمحالّ التجارية في قلب المدينة، وصولًا إلى تدنيس المقابر والاعتداء على النساء والأطفال.
هذه الصور المظلمة التي ارتبطت بذاكرة مدينة بأكملها، تستعاد اليوم في شهادة جديدة تسلط الضوء على مشاهد مشابهة بعد محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في الخامس عشر من تموز 2016.
شهادة هالة كولن: “كأننا في 6–7 أيلول من جديد“
هالة كولن (52 عامًا)، ربة منزل في إسطنبول، تحدثت لأول مرة عما عاشته مع أطفالها الثلاثة ليلة الانقلاب المزعوم في 2016، ووصفت ما جرى بأنه تكرار لسيناريو أيلول 1955. وتقول: “اختبأنا في الداخل نترقب أن يحرقوا المنزل ثم يرحلوا، كما حدث مع غيرنا. لم نكن نعلم هل سنخرج أحياء أم لا.”
كانت الحكومة في ذلك الوقت أعلنت حركة الخدمة مسؤولة عما سمي محاولة الانقلاب الفاشلة قبل أن تجري أي تحقيق مبدئي في أحداث تلك الليلة، بعد حملة تشويه وشيطنة أطلقتها ضد الحركة في 2013 حيث ظهرت أكبر فضائح الفساد والرشوة في تاريخ البلاد تورطت فيها الحكومة ورموزها.
تعرض منزل هالة كولن في منطقة كيسيكلي التابعة لأوسكودار لثلاث هجمات متتالية فقط بسبب حملها لقب “كولن”. في الأولى أحرق المهاجمون جميع أثاث الحديقة من البلاستيك والخشب، وفي الثانية أُلقيت زجاجة مولوتوف على شرفة المنزل مما تسبب في اندلاع حريق، أما الثالثة فكانت الأشد إذ جرى اقتحام المنزل وتخريب محتوياته بشكل كامل من المكتبة إلى الأثاث والأدوات المنزلية.

حصار أمني وتوثيق محظور
تؤكد كولن أن جيرانها وثقوا ما جرى بعد أن فرضت قوات مكافحة الإرهاب طوقًا أمنيًا على المنطقة مستخدمة مدرعات المياه، كما قُطعت الكهرباء عن الحي، وأذيعت عبر مكبرات الصوت تحذيرات بمنع التصوير أو نشر أي صورة أو مقطع فيديو. الصور التي التُقطت سرًا باتت اليوم أول توثيق يُنشر من داخل المنزل بعد تلك الأحداث.
عودة إلى البيت: مشهد الخراب
بعد أربعة أيام من بقائها عند والدتها خوفًا من العودة، تمكنت كولن من دخول منزلها، لتصطدم أولًا بالشريط الأصفر الذي كتب عليه “مكان جريمة – ممنوع الدخول”، ثم بالباب المكسور بواسطة مطرقة حديدية، وصولًا إلى مشهد الخراب الكامل. وتؤكد أن تلك الصور التي قدمتها لاحقًا إلى محكمة الجنايات في آرتفين تعكس بوضوح ما تسميه بـ”الإبادة الاجتماعية” التي تعرض لها منسوبو حركة كولن خلال العقد الماضي.

آثار نفسية وعائلية
ما زالت آثار تلك الليلة محفورة في ذاكرة أطفالها الذين لم يتجاوزوا الصدمة حتى اليوم. في المقابل، غادر زوجها كمال كولن ووالدها علي بايرام البلاد عبر نهر مريتش بعد الانقلاب بأسابيع قليلة، بينما بقيت هي وأطفالها في إسطنبول لتواجه جولات أخرى من المضايقات انتهت بمحاولة فاشلة لمغادرة البلاد.
الاعتقال والمحاكمة
في الثلاثين من تموز 2018، أوقفت كولن عند معبر “سارب” الحدودي في آرتفين، وظلت سبعة أيام رهن الاحتجاز في مركز شرطة “هوبا”، ثم قضت ثلاثة وعشرين شهرًا في سجن النساء المغلق. خلال تلك الفترة لم تُعرف طبيعة التهم الموجهة إليها إلا بعد ثمانية عشر شهرًا، حيث اتضح أن الاتهامات لا تتجاوز انتماءها العائلي: كونها قريبة فتح الله كولن وزوجة كمال كولن وابنة د. علي بايرام، أحد أوائل المهاجرين إلى آسيا الوسطى وصاحب مجلة أكاديمية.
اعتراف يكشف الفراغ القانوني
واحدة من اللحظات الفارقة في مسيرتها القانونية كانت سماعها صدفة مكالمة بين ضابط في مركز شرطة “هوبا” ومسؤول في شرطة إسطنبول، قال فيها الأول: “أيعقل أن شرطة إسطنبول لم تجد شيئًا ضد هالة كولن؟ سينتهي وقت التوقيف، سأطلق سراحها.” عندها ردت كولن بهدوء: “لن يجدوا شيئًا. سيتهمونني زورًا، أليس هذا ما تنتظرونه؟“ وهو ما حصل لاحقًا بالفعل.

