في خطوة وُصفت بأنها “تصعيد بالغ الخطورة”، أدانت أنقرة بأشد العبارات قيام وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، بأداء صلاة يهودية علنية في باحات المسجد الأقصى يوم الأحد.
وزارة الخارجية التركية وصفت الحادثة بـ”الاقتحام”، مؤكدة في بيان رسمي أن هذا التصرف جرى “تحت حماية الشرطة الإسرائيلية”، وبمرافقة “جماعات من المستوطنين”، في تعدٍ مباشر على حرمة الموقع الديني الإسلامي الذي يُعد ثالث أقدس مقدسات المسلمين.
رمزية الموقع: بؤرة توتر دائم بين اليهودية والإسلام
المسجد الأقصى، الواقع في قلب البلدة القديمة بالقدس الشرقية المحتلة، يشكل مركزًا روحيًا وسياسيًا بالغ الحساسية. بينما يُعد ثالث الحرمين الشريفين في الإسلام، يقع فوق ما يُعرف لدى اليهود بـ”جبل الهيكل”، أقدس موقع في العقيدة اليهودية، مما يجعله بؤرة احتكاك دائم بين الروايتين الدينية والسياسية.
الوضع القائم مهدد: خروقات متكررة وتواطؤ حكومي
يُحظر أداء الشعائر الدينية اليهودية في الحرم الشريف بموجب “الوضع القائم” المتفق عليه بين إسرائيل والأردن، باعتبار الأخير الوصي الرسمي على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. إلا أن هذا التفاهم الذي تم تثبيته بعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967، بات يتعرض لخروقات متكررة من قبل سياسيين ومستوطنين.
ومن أبرز هذه الانتهاكات تكرار زيارات أعضاء في الكنيست الإسرائيلي ورموز من اليمين المتطرف للموقع، دون تدخل فعّال من السلطات. ومع تولّي شخصيات مثل بن غفير مناصب تنفيذية، تتحول تلك “الزيارات” إلى تحدٍّ رسمي للوضع القائم، مدعوم من الحكومة ذاتها.
الاستفزازات كأداة سياسية
إيتمار بن غفير، المعروف بمواقفه العنصرية ودعوته العلنية لفرض “السيادة اليهودية الكاملة” على المسجد الأقصى، لا يخفي استغلاله لهذه الخطوات لكسب التأييد الشعبي في أوساط اليمين الديني المتشدد. وقد أدّى صلاته الأخيرة علنًا وعلى مرأى من الإعلام، في رسالة واضحة بأن السلطة الإسرائيلية باتت تتبنى هذه الأجندة، ولو تدريجيًا.
الموقف التركي: تحذير من انفجار إقليمي ودعوة لحماية القدس
في لهجة حادة تعكس القلق العميق، أكدت الخارجية التركية أن “أمن المسجد الأقصى والحفاظ على الهوية المقدسية ليسا مجرد مسألة إقليمية، بل مسؤولية تقع على عاتق الضمير الإنساني الجماعي”. وأشارت إلى أن ما جرى “يمسّ قدسية المكان ويقوّض جهود السلام”، محذرة من أن تكرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى انفجار ديني واسع لا تُحمد عقباه.
تطورات إقليمية تؤجج الغضب
تأتي هذه الأحداث في سياق تصعيد إسرائيلي أوسع ضد الفلسطينيين، خاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تُسجل انتهاكات متواصلة بحق المدنيين والمقدسات. ومع انشغال المجتمع الدولي بأزمات متعددة، باتت إسرائيل تتحرك في القدس بمعزل عن الرقابة أو المحاسبة، ما يثير مخاوف من فرض واقع جديد بالقوة، دون اعتبار للاتفاقيات أو الشرعية الدولية.
الرد الدولي الغائب
رغم خطورة الخطوة، لم يصدر حتى الآن رد فعل قوي من القوى الكبرى أو الهيئات الأممية، ما يعكس فجوة مقلقة في التعامل مع انتهاكات تتجاوز البعد السياسي إلى العبث بالسلم الديني العالمي. وتبقى تركيا من بين الدول القليلة التي تبدي موقفًا واضحًا ضد هذا النوع من التصعيد، محذّرة من تداعياته على استقرار المنطقة بأسرها.

