بينما تتقدم جهود السلام الهشة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني (PKK)، تعيد التصريحات والفعاليات الأخيرة فتح نقاشات عميقة حول الأسس التي قامت عليها الجمهورية التركية بعد معاهدة لوزان عام 1923. وتُطرح الآن، وللمرة الأولى بهذا الوضوح، تساؤلات حول وحدة الدولة، والمواطنة المبنية على الهوية التركية الأحادية، ومكانة الكرد وغيرهم من المكونات في النظام السياسي الجديد المنشود.
معاهدة لوزان وميلاد الجمهورية التركية: أسس دولة مركزية أحادية
تأسست الجمهورية التركية في 29 أكتوبر 1923، بعد توقيع معاهدة لوزان في يوليو من العام نفسه، والتي رسمت حدود الدولة التركية الحديثة عقب انهيار الدولة العثمانية. وقد قامت الجمهورية الناشئة على نموذج دولة مركزية موحدة، ترفض أي هوية جماعية غير تركية، وتنبذ التعدد الثقافي الذي ميّز النظام العثماني السابق.
ففي إطار سعيها لتوحيد الأمة، حظرت الدولة استخدام اللغات غير التركية في الحياة العامة، ورفضت الاعتراف القانوني بالهويات العرقية أو الدينية المختلفة – وفي مقدمتها الكرد والعلويون – وفرضت “الهوية التركية” كأساس وحيد للمواطنة.
الذكرى 102 لمعاهدة لوزان: احتجاج كردي في قلب سويسرا
في هذا السياق، تستعد قوى كردية وداعموها لإحياء الذكرى السنوية 102 لتوقيع معاهدة لوزان، يوم السبت، بمسيرة حاشدة ومنتدى مفتوح في مدينة لوزان السويسرية، بتنظيم من “المؤتمر القومي الكردستاني. هذه الفعالية لا تُعد فقط تذكيراً بتاريخ من الإنكار، بل تُقدَّم كتحرك مباشر لإعلان سقوط النظام الإقليمي الذي كرّسته لوزان، والمطالبة باتفاق جديد يعترف بالحقوق القومية للكرد.
وقال زبير آيدار، عضو المجلس التنفيذي لاتحاد الجماعات الكردستانية (KCK)، في تصريح لموقع “نوبل خبر” إن “معاهدة لوزان كانت بمثابة حكم بالإعدام على الكرد”، مضيفاً أن التطورات الإقليمية المتسارعة – من الحرب في غزة، والتوتر مع إيران، إلى التغير السياسي في سوريا – تهيئ الظروف لتأسيس نظام جديد يضمن الحقوق القومية للكرد.
خطوات سلام داخل تركيا: دعوة أوجلان ومراسم تسليم السلاح
يتزامن هذا الحراك الخارجي مع تطورات لافتة داخل تركيا، حيث أطلق عبد الله أوجلان، الزعيم المعتقل لحزب العمال الكردستاني، في فبراير الماضي، دعوة لوقف الكفاح المسلح والانتقال إلى مسار سياسي. وفي 11 يوليو، أعلن ثلاثون مقاتلاً من الحزب تخلّيهم عن السلاح بشكل علني في مراسم بمدينة السليمانية شمال العراق، في مشهد وصفه مراقبون بـ”التحول غير المسبوق” في مسار الصراع الممتد منذ أربعة عقود.
ورغم صمت الحكومة الرسمي حيال بعض الجوانب، وصف الرئيس رجب طيب أردوغان المراسم بأنها “انتصار وطني”، مؤكداً أن “الأتراك والكرد والعرب هم جميعاً رابحون”.
مطالب كردية متقدمة: ما بعد العفو العام
في مقابلة حديثة، حذر جميل بايق، الرئيس المشارك لاتحاد الجماعات الكردستانية، من أن استمرار عزلة أوجلان في سجن إمرالي يعرقل أي تقدم فعلي في مسار السلام. وطالب بتشريعات تضمن الحقوق الديمقراطية والمشاركة السياسية، قائلاً: “لسنا بحاجة إلى عفو عام، بل إلى مساواة قانونية ومشاركة ديمقراطية ونهاية للملاحقات السياسية”.
أما حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، فقد أكد في بيانه الختامي لاجتماعه الحزبي في 22 يوليو، أن المرحلة الحالية هي “نقطة تحول” تتطلب خطوات قانونية تدعم دمج الكرد سياسياً ضمن نظام ديمقراطي شامل، مشدداً على أن “الأمر لا يخص الكرد فقط، بل هو مسألة تأسيس مستقبل مشترك لكل شعوب تركيا”.
مفاجآت في المشهد السياسي: بهجلي يلوّح بنواب كرد وعلويين للرئاسة
وفي خطوة اعتبرها كثيرون مفاجئة، دعا دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية، في 18 يوليو إلى تعيين نائبين للرئيس من الكرد والعلويين، ما شكل خروجاً واضحاً عن الخطاب القومي التقليدي للحزب. وقال بهجلي: “الكرد شعبنا، والعلويون شعبنا، كلنا أمة تركية واحدة”. إلا أن رئيس حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب تونجر بكرهان، علّق قائلاً: “لماذا لا يكون الرئيس كردياً؟”
ورغم عدم تبني أردوغان لهذا الطرح صراحة، فإن التغير في نبرة الخطاب السياسي يشير إلى تحولات جارية في التعاطي مع المكونات المجتمعية للدولة.
تحديات المبادرة: هل تسمح الدولة بتغيير دستوري فعلي؟
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، أشار بايق إلى أن استمرار حملة الاعتقالات بحق أعضاء حزب الشعب الجمهوري أبرز أحزاب المعارضة – يهدد جدية المسار، قائلاً: “كيف تُشكَّل لجنة برلمانية للسلام والمعارضة قيد الاعتقال؟”.
وبينما لا يزال كثيرون يشككون في استعداد الدولة التركية لإجراء تغييرات بنيوية حقيقية، فإن تحول النقاش من إنكار الهوية الكردية إلى البحث في الصيغة الدستورية التي يمكن أن تضمهم، يمثل نقلة نوعية في المشهد السياسي.

