في تطور لافت قبيل الذكرى التاسعة لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، ظهر وثائقي جديد يثير تساؤلات عميقة حول صحة الرواية الرسمية التي قدمتها الحكومة التركية بقيادة رجب طيب أردوغان لأحداث ليلة 15 يوليو 2016.
الوثائقي، الذي عُرض على قناة “أفق جِزغِسي” (Ufuk Çizgisi) على يوتيوب، يتناول اتهامات خطيرة بتلفيق التهم ضد جنرال رفيع المستوى ويطرح احتمال أن يكون الانقلاب “عملية راية كاذبة” (False Flag) دُبّرت من داخل المؤسسة العسكرية العليا بالتنسيق مع الحكومة.
تفاصيل الوثائقي: “الحقيقة المموهة خلف الأكتاف العسكرية“
الوثائقي الذي حمل عنوان: “سبويلر: ستار الأكتاف” (Spoiler: Apolet Perdesi)، تبلغ مدته 48 دقيقة، ويشارك فيه خمسة ضباط سابقين في سلاح الجو التركي، جميعهم طُردوا بمراسيم طوارئ عقب المحاولة الانقلابية. هؤلاء الضباط خدموا تحت قيادة الفريق المتقاعد أكين أوزتورك، الذي حكم عليه لاحقاً بالسجن المؤبد بتهمة قيادة المحاولة الانقلابية، لكن برأ ساحته قرار صادر مؤخرا عن الأمم المتحدة.
شهادات من داخل المؤسسة العسكرية
الضباط الخمسة الذين أدلوا بشهاداتهم هم:
- اللواء إبراهيم قوجامان، ضابط أركان سابق.
- العميد محمد يالين ألب، السكرتير الشخصي السابق لأكين أوزتورك.
- العقيد محمد تشاليشكَن.
- العقيد أورْياني كومبَجي.
- الملازم أول أمره أتيش.
جميعهم يؤكدون أن أوزتورك لم يشارك في التخطيط أو التنفيذ للمحاولة الانقلابية، بل تم استدعاؤه في تلك الليلة بناءً على أوامر مباشرة من رئيس الأركان آنذاك خلوصي أكار، بهدف تهدئة الوضع في قاعدة “أكنجي” الجوية، التي كانت مركزاً رئيسياً للأحداث.
تفاصيل ليلة الانقلاب: بين الأوامر الرسمية والتشويه الإعلامي
وفقاً للشهادات، كان أوزتورك في منزله في أنقرة عند اندلاع الأحداث، وتلقى طلباً مكتوباً بالتوجه إلى قاعدة أكنجي لمحاولة إقناع الطيارين بالعودة إلى قواعدهم ووقف التحركات. تمت الموافقة على هذا الطلب من قبل كل من خلوصي أكار وقائد القوات الجوية آنذاك الفريق عابدين أونال. الضباط أشاروا إلى أن الوثائق الداخلية تثبت أن وجود أوزتورك في القاعدة كان مصرحاً به رسمياً.
ورغم ذلك، ظهر الجنرال أوزتورك في اليوم التالي في صور تظهر عليه آثار الضرب المبرح والدماء، مما أثار تعاطفاً واسعاً في البداية قبل أن يتم اتهامه لاحقاً بأنه العقل المدبر للانقلاب.
مواقف سياسية سابقة لأوزتورك قد تفسر استهدافه
الوثائقي يُبرز أن أوزتورك كان قد رفض سابقاً مطالب “غير رسمية” بتسريح ضباط في سلاح الجو بناءً على قوائم قدمها كل من هاكان فيدان، رئيس جهاز الاستخبارات آنذاك، وشيرين أونال، الجنرال سابق والنائب في البرلمان عن حزب العدالة والتنمية الحاكم.
أوزتورك أصر على ضرورة الالتزام بالقنوات القانونية، ما تسبب في توتر علاقته مع بعض الجهات السياسية العليا. كما رفض في عام 2015 مقترحات بالتدخل العسكري في سوريا، محذراً من المخاطر العملياتية طويلة الأمد على قوة تركيا الجوية، وقد أرفق موقفه بتقييم رسمي للمخاطر.
تصريحات مريبة من داخل القيادة العليا قبل الانقلاب
من النقاط اللافتة التي يثيرها الوثائقي تصريح منسوب إلى رئيس الأركان العامة في ذلك الوقت خلوصي أكار قُبيل الانقلاب: “سنعود إلى 1980 كي لا يأخذونا إلى عام 1919″، في إشارة إلى أنه، أي أكار، يشجع على تدخل عسكري جديد مثل انقلاب 1980 تحت قيادة الجنرال كنعان أفرين. ويُشكك الضباط في رواية أن أكار كان “رهينة” في تلك الليلة، مشيرين إلى أنه واصل إصدار الأوامر من مقر رئاسة الأركان طوال الأحداث.
استهداف مباشر لطائرة أوزتورك من طائرات F-16
الوثائقي يذكر واقعة لافتة تشير إلى استهداف مروحية كانت تُقل أوزتورك من قاعدة أكنجي بأوامر صادرة من رئيس الوزراء آنذاك بن علي يلدريم، حيث طاردتها طائرات F-16، لكنها نجت من الهجوم وهبطت بسلام. هذه الحادثة تثير تساؤلات حول طبيعة الأوامر السياسية والعسكرية المتداخلة ليلة الانقلاب.
القرارات الدولية: الأمم المتحدة تطالب بالإفراج عن أوزتورك
الوثائقي يستند أيضاً إلى قرار صادر عن الأمم المتحدة يعتبر اعتقال أوزتورك اعتقالاً تعسفياً، ويطالب بالإفراج الفوري عنه وتعويضه. هذا القرار الدولي يسلّط الضوء مجدداً على غياب المحاكمات العادلة عقب محاولة الانقلاب، والتي طالت أكثر من 100 ألف شخص ما بين معتقل ومفصول من الخدمة.
رواية الحكومة التركية ومزاعم “العدو الداخلي“
الحكومة التركية، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، لا تزال تصر على أن المحاولة الانقلابية نُفذت من قبل حركة الخدمة التي تستلهم فكر الراحل فتح الله كولن، في المقابل، تنفي الحركة تماماً أي صلة لها بالأحداث.
الذكرى التاسعة: الغموض لا يزال سيد الموقف
تُحيي تركيا في هذا الأسبوع الذكرى التاسعة لمحاولة الانقلاب وسط استمرار التساؤلات عن المسؤولين الحقيقيين، في ظل تضارب التصريحات الرسمية وشهادات المتهمين والضباط السابقين، وكذلك في ظل غياب أي تحقيقات مستقلة أو محايدة في الأحداث.

