في عددها الصادر بتاريخ 26 يونيو، نشرت مجلة “ليمان” الساخرة كاريكاتيراً قيل إنه يصوّر النبي محمد ﷺ، ما أثار موجة غضب شعبي ورسمي في تركيا، تجسّدت في مظاهرات أمام مقر المجلة، تخللتها شعارات تحريضية مثل “إما أن نقتلهم أو نطردهم” و”لنحرق هذا المبنى”.
تعرض الكاتب والمحلل السياسي التركي لفنت جولتكين لتفاصيل هذه الحادثة في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، متناولا فيه خلفياتها وتداعياتها، مشككاً في نوايا السلطات والأوساط الدينية الرسمية، ومتّهماً الجميع باستغلال الدين لأغراض سياسية.
ماذا تضمّن الكاريكاتير؟
أشار جولتكين إلى أن الكاريكاتير يُظهر رجلاً يُدعى “محمد” وآخر يُدعى “موسى” يلتقيان في الآخرة ويتبادلان التحية “السلام عليكم”، في مشهد يحاكي وحدة الرسالات السماوية، مع خلفية تصويرية للحرب (صواريخ وانفجارات). بحسب رأيه، فإن المجلة أرادت إيصال رسالة حول مأساة المسلمين في فلسطين وتناقض الصراعات الدينية، لا السخرية من النبي محمد ﷺ أو من الدين الإسلامي.
غياب “الإهانة المباشرة”
أصرّ الكاتب على أنه لا يوجد في الكاريكاتير أي رسم تفصيلي لوجه النبي أو ألفاظ مسيئة أو ازدراء مباشر. بل رأى أن الحد الأقصى الذي يمكن انتقاده هو “قلة الحساسية” في اختيار الوسيلة التعبيرية في مجتمع متديّن.
الاحتجاجات والتحريض
وفق جولتكين، لم يُلاحظ الكاريكاتير إلا بعد مرور أربعة أيام على نشره، ما يدعو للتساؤل: هل حقاً كان مسيئاً إلى هذه الدرجة لو أنه لم يُنتبه له فوراً؟ ثم فجأة تحوّل إلى قضية وطنية تصدّرتها حسابات وزراء وبرلمانيين من حزب العدالة والتنمية.
شعارات خطيرة تدعو للعنف
من الشعارات التي رفعها المتظاهرون: “لنحرق هذا المبنى”، و”إما أن نقتلهم أو يطردونا”، وهي برأي غولتكين شعارات تعكس تحريضاً خطيراً وميلًا إلى الفاشية الدينية لا إلى الغيرة على الدين.
موقف الحكومة والقوى الأمنية
انتقد جولتكين بشدة إعلان وزير الداخلية علي يرلي كايا عن “اقتحام مبنى المجلة” واعتقال أربعة أشخاص بينهم رجل في السبعين من عمره يعمل كمدير خدمات في المؤسسة. ووصف طريقة الاعتقال بالتشهير الوحشي، قائلاً: “هل أمسكت بمجرم حرب؟ هل هذا رجل عصابة؟“.
انتقائية الشرطة
قارن غولتكين بين تساهل الشرطة مع المتظاهرين الذين دعوا للحرق والقتل أمام المقر، وبين قمع أي معارض أو كاتب يغرّد ضد الحكومة بتهمة “التحريض على الكراهية”، مشدداً على أن من يدعو لحرق مبانٍ وقتل بشر هو المحرّض الحقيقي.
المعارضة تسير على خطى السلطة
وصف الكاتب ردود أفعال بعض السياسيين المعارضين مثل منصور يافاش وأكرم إمام أوغلو وأحمد داود أوغلو بأنها “جبانة”، إذ سارعوا إلى التنديد بالكاريكاتير دون التدقيق فيه، فقط لكسب رضا الناخب المتدين، وفق قوله.
الوحيد الذي ميّز الموقف
أشاد جولتكين برئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزجور أوزيل، الذي قال بوضوح: “لو وُجدت إساءة للنبي لوقفت ضدها، لكن هنا لا أرى أي إساءة”. بينما وصف الباقين بأنهم “يضعفون المعارضة عبر الانجرار خلف السردية الرسمية، ويعجزون عن اتخاذ موقف مبدئي“.
“موقف متميز وسط العاصفة”
المحلل السياسي التركي البارز ممتازر توركونه هو الآخر الذي لفت الأنظار إلى الموقف المختلف الذي تبنّاه أوزجور أوزيل، معتبراً إياه نموذجًا للفهم العميق والتموضع الأخلاقي في لحظة تغلب فيها الشعبوية على الحكمة السياسية.
لا نية للإساءة… بل سوء تقدير
رأى توركونه أن الكاريكاتير موضوع الجدل لا يحتوي على نية مباشرة للإساءة إلى الرموز الدينية، بل ربما تضمن “خطأً غير مقصود” أو “تقديرًا خاطئًا للسياق الثقافي والديني”، مشيرًا إلى أن من يرون فيه إساءة مباشرة، في الغالب لا يتفحّصون العمل بدقة، بل ينجرّون خلف موجة عامة مشحونة بالغضب الديني المُسيّس.
استعمال الدين كأداة في يد السلطة
شدد توركونه على أن التفاعل الرسمي مع الكاريكاتير لم يكن نابعا من شعور ديني خالص، بل من “رغبة السلطة في استعراض القوة”، حيث تحرّكت الشرطة والقضاء بسرعة مريبة، مما يعكس استخدام السلطة للدين كوسيلة بيد السياسي، لا كقيمة أخلاقية تُحترم.
“أوزيل رفض الالتحاق بالقطيع”
وصف توركونه موقف أوزيل بأنه “تحوّل نوعي وشجاع”، كونه الوحيد الذي رفض الانجرار خلف موجة “اللّينش الرقمي والسياسي”، ورفض أن يكون أداة في “حفلة تحريض جماعي”، قائلًا بصراحة: “لن أكون جزءًا من هذا اللينش“.
أضاف توركونه أن هذا الموقف يحمل قيمة مزدوجة، فهو، أي أوزيل، يحترم الدين دون أن يرضخ لاستغلاله، ويعلي من شأن القانون والعدالة في مواجهة “العدالة الشعبوية” التي باتت تسود في كل حادثة مثيرة.
الخضوع للموجة الشعبوية
وانتقد توركونه بشدة موقف كل من أكرم إمام أوغلو ومنصور يافاش، معتبرًا أنهما انجرّا خلف “الرأي العام الغاضب” دون تمحيص، في سلوك يُشبه تمامًا ما يُسمى بـ”الشعبوية السياسية“، أي “السير خلف ما يظنه الناس صحيحًا، لا خلف ما هو صواب حقًا.”
واعتبر ممتازر توركونه أن موقف أوزيل شكّل استثناءًا نبيلاً في لحظة تحوّل فيها الخطأ غير المقصود إلى أزمة أمنية – سياسية بفضل التسييس المفرط للدين. هذا الموقف، كما يقول، يُظهر الوعي العميق بالتحديات الأخلاقية والسياسية التي تعيشها تركيا اليوم.
المرض هو “الدعوشة” لا “التدين“
في حين أكد الكاتب لفند جولتيكن أن ما يحدث في تركيا ليس دفاعًا عن النبي، بل هو “استغلال متكرر وممنهج للإسلام من قبل فئة دينية شعبوية”، وأن الدين هنا لم يعد روحًا تتغلغل في الأخلاق بل صار مجرد أداة صراخ وعنف.
الحصاد المُرّ للاستغلال
بحسب جولتيكن، فإن السلطة الحالية أساءت للإسلام أكثر من أي سلطة في تاريخ تركيا الجمهوري. فقبلهم، كان يُنظر للمسلم كرمز للأمانة والرحمة، بينما الآن باتت صورته مرادفة للتعصب، والانتهازية، والتهديد، واللصوصية والفساد، والمحسوبية.
ماذا لو رأى النبي ﷺ هذا الكاريكاتير؟
تساءل جولتيكن: “ماذا لو رأى النبي محمد ﷺ هذا الكاريكاتير؟ هل كان سيغضب ويحرّض؟ أم كان سيفهم الرسالة؟ مشيراً إلى أن السيرة النبوية مليئة بمواقف تسامح، حتى مع من شتم وضرب النبي، واستشهد بآية من سورة النساء (140) التي تدعو إلى ترك المجلس الذي يُسخر فيه من الدين، لا إلى إشعال الحرائق وتحريض الناس.
من يُحبِّب النبي ومن يُنفِّر منه؟
ختم غولتكين بالتأكيد أن على من يدّعي الغيرة على النبي أن يسأل نفسه: “هل بهذه الطريقة نُحبب النبي للناس؟ أم نزيد النفور منه ومن الإسلام؟“.

