أصدرت المحكمة الدستورية التركية حكمًا يُدين السلطات التركية بسبب فشلها في التحقيق بجدية في مزاعم تعذيب المعلّم السابق ضابط كيشى، الذي اختُطف من كازاخستان عام 2017، وأُدين لاحقًا بسبب صلاته المزعومة بحركة كولن. وقضت المحكمة بدفع تعويض مالي قدره 190 ألف ليرة تركية (حوالي 4860 دولارًا) وإعادة فتح التحقيق من قبل النيابة العامة في أنقرة.
الاختطاف من كازاخستان: عملية سرية بلا إجراءات قانونية
في 30 سبتمبر 2017، اختُطف كيشى من مطار ألماتي الدولي في كازاخستان على يد أشخاص قال إنهم عرّفوا أنفسهم كعناصر من جهاز الاستخبارات التركي (MIT). تم تقييده، وتعذيبه، ووضعه على متن طائرة مجهولة دون علم السلطات الكازاخية، وفق شهادته. وصل كيشى إلى تركيا حيث وُضع في حاوية صغيرة بلا نوافذ لمدة 108 أيام، حُرم خلالها من الاتصال بمحامٍ أو بأسرته، وتعرّض – حسب روايته – لكسر في الأضلاع، وصدمات كهربائية، وتهديدات نفسية، ومحاولة اعتداء جنسي.
تواطؤ وتناقضات رسمية: “سلم نفسه طوعًا”؟
ظهر كيشى مجددًا في يناير 2018 عندما وُجد مغمض العينين في مرآب تابع لمحكمة أنقرة. وفي اليوم نفسه، زعمت الشرطة أنه “سلم نفسه طوعًا” بموجب قانون الندم، وهي رواية تبنّتها النيابة العامة دون تحقيق فعلي في كيفية وصوله للمكان. المحكمة الدستورية اعتبرت هذا خللًا جوهريًا في سير العدالة.
أدلة تم تجاهلها: تقارير طبية لم تُراجع واستنتاجات بلا تحقيق
رغم ظهور تقارير طبية لاحقة تُثبت إصاباته، لم يُخضع كيشى لفحوصات مستقلة، ولم تُؤخذ الأدلة مثل تسجيلات الكاميرات أو سجلات الرحلات بعين الاعتبار. أشارت المحكمة إلى أن النيابة أغلقت التحقيق في نوفمبر 2020 دون الاستماع إلى كيشى أو العناصر الأمنية المعنية.
الرد القانوني لا يُغني عن الانتهاكات المستمرة
أكّدت المحكمة أن التحقيق لم يُنفذ وفقًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، واعتبرت أن التأخير في الكشف عن علامات التعذيب لا يفقدها مصداقيتها، خاصة في حالات الإخفاء القسري. ومن ثم، طالبت النيابة بإعادة فتح الملف ومعالجة أوجه القصور.
القمع العابر للحدود: نهج مستمر رغم الإدانات الدولية
يأتي هذا الحكم ضمن سياق أوسع من الانتهاكات العابرة للحدود التي تُمارسها أنقرة بحق من تتهمهم بالانتماء لحركة الخدمة. ومنذ فشل محاولة الانقلاب في يوليو 2016، اعتمدت الحكومة التركية على أساليب “التسليم القسري” و”الاختطاف السري”، بدلاً من الطرق القانونية في تسليم المطلوبين.
وقد وثّقت عدة منظمات دولية، منها مجموعة الأمم المتحدة المعنية بالاعتقال التعسفي (WGAD)، أن هذه العمليات تنتهك القانون الدولي.
خلفية سياسية: القضاء في خدمة النظام
يرى مراقبون أن الحكم الأخير يشير إلى تصدّع واضح في حيادية النظام القضائي التركي، فبينما يُفترض أن يكون القضاء حاميًا للحقوق، فإن قضايا مثل قضية ضابط كيشى تُظهر أن العدالة باتت، في كثير من الحالات، تابعة للسلطة التنفيذية.
ورغم توصيف الحكومة لحركة كولن كـ”منظمة إرهابية” منذ عام 2016، فإن المجتمع الدولي لا يعترف بهذا التصنيف، ويستمر في إدانة حملات القمع التي تطال آلاف الأفراد بناءً على شبهات سياسية لا تُستند إلى محاكمات عادلة.

