عودة محتملة لمسار السلام… أم تكتيك انتخابي؟
في مشهد يعيد إلى الأذهان ما حدث قبل عقد من الزمن، عادت قضية السلام مع الأكراد إلى واجهة المشهد السياسي التركي، لكن وسط تناقضات صريحة بين أطراف الحكم وتكتم واضح من الرئيس رجب طيب أردوغان. وبينما يبدو أن مفاوضات ما تجري خلف الكواليس مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، فإن السؤال المركزي الذي يطرحه الدبلوماسي التركي السابق عمر مراد هو: هل هذه خطوة جادة نحو السلام، أم مناورة انتخابية مألوفة؟
المؤشرات الأولى: دعوة بهجلي وبوادر تعهدات
بدأت الموجة الجديدة من الجدل في أكتوبر الماضي، عندما دعا دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية (MHP)، إلى إحياء مسار سلام جديد مع الأكراد. وقد تضمن اقتراحه، بحسب فهم المراقبين، احتمال منح زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان هامشًا من “الحرية المشروطة” إذا ما دعا حزبه إلى نبذ العنف علنًا، ربما في مقر البرلمان إلى جانب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM).
وجاءت أولى الإشارات الرسمية من الطرف الكردي في 12 مايو 2025، حين أعلن حزب العمال الكردستاني عن حل نفسه، مشيرًا إلى أن تنفيذ هذا القرار “يتطلب أن يقود الزعيم أوجلان المرحلة الجديدة، وأن تُكفل حقوق العمل السياسي الديمقراطي قانونيًا.”
تعهد ضمني ثانٍ: الاعتراف بـ”روج آفا” في سوريا؟
المؤشر الثاني الأكثر إثارة للجدل، بحسب عمر مراد، هو ما بدا وكأنه قبول تركي ضمني بواقع الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا (روج آفا)، التي تُهيمن عليها وحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، وهي جناح سوري لحزب العمال الكردستاني.
ففي بيان عقب إعلان الحل، تحدث بهجلي عن “ضرورة تنظيم عمليات الانتقال من حزب العمال الكردستاني المنحل إلى وحدات واي بي جي بما يتماشى مع الضمير الجمعي للشعب”، في دلالة على أن المقاتلين الكرد لن يغادروا المنطقة، بل سينتقلون إلى سوريا.
تكرار لنمط سابق: تكتم أردوغان ومزايدة بهجلي
ورغم أن بهجلي أدلى بتصريحات واضحة وعلنية، فإن الرئيس أردوغان يواصل اتباع نفس الاستراتيجية التي انتهجها في مسار السلام الأول قبل انهياره في 2015: التزام الصمت أو الإيحاء الغامض، وتجنب إعلان أي التزام مباشر. فأردوغان يصر على أن حزب العمال الكردستاني أعلن حله نتيجة العمليات العسكرية، ويقدّم نفسه كمن لم يُقدم أي تنازل. وهي نفس الصيغة التي استخدمها سابقًا عندما سعى سرًا للحصول على جائزة نوبل للسلام بينما أنكر علنًا وجود مفاوضات، وفق شهادة عمر مراد الذي كان يشغل منصبًا دبلوماسيًا حينذاك.
معارضة سياسية: تعارض واضح في السرديات
زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، أوزجور أوزيل، لم يتردد في الإشارة إلى التناقض العلني بين شريكي السلطة. وقال: “بهجلي يعترف بوجود تفاهمات تتضمن انتقال عناصر من حزب العمال الكردستاني إلى سوريا، بينما أردوغان يقول إنه لا توجد مفاوضات. تصريحات بهجلي تنسف رواية أردوغان، وتصريحات أردوغان تقوّض موقف بهجلي.”
لكن هذا التناقض لم يُترجم إلى صدام سياسي حقيقي بين الطرفين. فعندما قال أردوغان مؤخرًا إنه لا ينوي الترشح مجددًا، بادر بهجلي إلى إصدار بيان مطول يحثه على الترشح، في ما يبدو أنه جزء من اتفاق مسبق يهدف إلى الحفاظ على تماسك التحالف.
الدبلوماسية المزدوجة: دعم ضمني لا اعتراف رسمي
وردًا على انتقادات أوزيل، قال أردوغان: “لا داعي للقلق. نحن نعلم جيدًا ما نقوم به مع السيد بهجلي.” بهذا التصريح، قدم أردوغان دعمًا غير مباشر لتصريحات بهجلي، لكنه مجددًا تجنب الاعتراف الصريح بالتزامات المفاوضات، ما يعكس استمراره في إدارة المسار من الخلف، متأهبًا للتنصل منه إن دعت الضرورة.
نفي حكومي وتوتر كردي: تناقضات داخل الفريق الرئاسي
وفي خطوة تثير مزيدًا من الغموض، نفى وزير العدل التركي، يلماز تونج، أن تكون هناك أي ترتيبات قانونية قيد الإعداد تمنح أوجلان حرية جزئية، قائلاً: “لا يوجد مثل هذا السيناريو حاليًا.”
هذا النفي الصريح وصفه عمر مراد، في مقال نشره موقع (توركيش مينوت)، بأنه “كاذب علنًا”، وأثار غضبًا في الأوساط الكردية. والمتحدثة باسم حزب الديمقراطية والمساواة، عائشة جولدوغان، علّقت على التصريح بقولها: “لهجتكم تفتقر إلى الروح البناءة المطلوبة لهذا المسار. أنتم تخلقون مناخًا سامًا.”
اقتراح بهجلي بلجنة سلام جديدة… تجاهله أردوغان
في 18 مايو، قدم بهجلي مقترحًا بإنشاء لجنة مكونة من 100 عضو من كافة الأحزاب في البرلمان لصياغة خارطة طريق لمسار السلام الثاني. لكن أردوغان التزم الصمت، واكتفى حزب العدالة والتنمية بالتقليل من أهمية المبادرة.
النائب البارز في الحزب، ظفر صاريكايا، صرح بأن إعلان حل الحزب الكردي “غير كافٍ”، وأن تشكيل لجنة سلام لا يمكن أن يتم دون تسليم فعلي للسلاح. من غير المعقول أن يكون هذا التصريح قد صدر دون علم أردوغان، مما يؤكد استمرار التباين الممنهج بين الجناحين.
السياق الانتخابي: هل يعيد أردوغان سيناريو 2015؟
يرى عمر مراد أن أردوغان، بعد تراجعه الشعبي المتزايد – خاصة بعد اعتقال أكرم إمام أوغلو – يسعى مجددًا إلى استخدام ورقة الصراع الكردي لخلق حالة من الاستقطاب الداخلي تصب في مصلحته.
ويضيف أن نية أردوغان المعلنة بإجراء استفتاء دستوري خلال عامين ثم انتخابات رئاسية، قد تدفعه إلى استغلال التهديد الإرهابي كذريعة لتعبئة القاعدة القومية، مثلما فعل بعد انهيار مسار السلام السابق. وبالتالي، فإن احتمال تكرار هذا السيناريو يبدو أقوى من فرص تحقيق سلام فعلي في الظروف الراهنة.

