في تطور يُجسد تصاعد الحملة الأمنية في تركيا ضد المشتبه بصلتهم بحركة الخدمة، أُودعت السيدة أوزلم دوزنلي السجن برفقة رضيعها البالغ من العمر ستة أشهر، بعد أن حاولت مع زوجها الفرار إلى اليونان.
وتسلّط هذه الحادثة الضوء مجددًا على التدهور الحاد في أوضاع حقوق الإنسان داخل تركيا، لا سيما فيما يتعلق بالنساء والأطفال، في ظل قوانين لا تُطبق وعدالة غائبة.
تفاصيل الاعتقال: أم ورضيع خلف القضبان
تم توقيف أوزلم وزوجها إبراهيم دوزنلي في 10 مايو 2025 بمدينة إيبسالا الحدودية التابعة لإقليم أدرنة، أثناء محاولتهما عبور الحدود نحو اليونان. ورغم الإفراج عن الزوج لاحقًا، تم نقل أوزلم إلى سجن في أدرنة، وهي تصطحب رضيعها مراد إيفه.
خلال احتجازهما الأولي لدى الشرطة لمدة ثلاثة أيام، أصيب الطفل بعدوى تنفسية، وتم نقله لاحقًا إلى مستشفى حكومي بعد تدهور حالته، حيث كشف الأب إبراهيم: “كانت حرارته 39 درجة، واستمرت زوجتي بالضغط على زر الطوارئ والطرق على الباب، لكن لم يستجب أحد”.
ورغم خطورة الحالة، لم يُنقل الرضيع إلى مستشفى فورًا، واضطرت والدته للعناية به داخل الزنزانة وسط ظروف غير إنسانية، ما فاقم حالته الصحية.
خلفيات القضية: صراع طويل مع التهم والحرمان
تواجه أوزلم دوزنلي حكمًا بالسجن يقارب سبع سنوات بتهمة الانتماء إلى حركة الخدمة التي تستوحي فكر فتح الله كولن الراحل. وعلى الرغم من أن حكمها لم يُصدق بعد من قبل محكمة التمييز العليا، فقد تقرر سجنها، في مخالفة واضحة للمادة 16 من القانون رقم 5275، التي تنص على تأجيل تنفيذ العقوبات بحق الحوامل والأمهات لطفل دون 18 شهرًا.
التهم الموجهة إليها تشمل أمورا عادية مشروعة من قبيل إيداع أموال في بنك آسيا، الذي أُغلق لاحقًا بزعم ارتباطه بالحركة، واستخدام تطبيق بايلوك (ByLock)، وهو تطبيق متاح علنًا على متاجر الهواتف، وتتهم السلطات التركية مستخدميه بأنهم على صلة بمحاولة انقلاب 2016، رغم غياب أدلة ملموسة على علاقة محتوى التطبيق بالمحاولة.
شهادات شخصية: محنة عائلة
إبراهيم، وهو شرطي سابق أُقيل عقب محاولة الانقلاب وقضى سبع سنوات في السجن، يروي تفاصيل مروعة عن رحلتهم: “بعد ولادة ابننا، حُرمت زوجتي من التأمين الصحي لكوني في السجن. لم نستطع زيارة المستشفيات، ولا إيجاد عمل. أصبحنا معزولين اجتماعيًا ونفسيًا واقتصاديًا.”
باع الزوجان كل ما يملكان – حتى خواتم الزواج وستائر المنزل – لتمويل محاولة الفرار، لكن تم توقيفهما في اللحظة الأخيرة.
خلال سجنه، أفاد إبراهيم بأنه أبلغ عن حالات تعذيب ممنهج في وحدة مكافحة الإرهاب بأفيون، ويعتقد أن فتح ملف لزوجته كان انتقامًا مباشرًا من بلاغاته. كما أشار إلى أن أوزلم تعرضت للإهانة أثناء زيارتها له، حيث أُجبرت على نزع حجابها بالقوة.
خلفية أوسع: مناخ القمع بعد محاولة الانقلاب
منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، أعلنت الحكومة التركية حالة طوارئ قادت إلى واحدة من أكبر حملات التطهير المؤسسي في تاريخ البلاد. حيث تم طرد أكثر من 130 ألف موظف حكومي، وفُصل نحو 24,706 عسكريين بموجب مراسيم طوارئ لا تخضع لمراقبة قضائية أو برلمانية.
وبينما تدافع الحكومة عن إجراءاتها بوصفها ضرورية لـ”حماية الدولة”، تتهم منظمات حقوقية السلطات بتحويل هذه السياسات إلى أدوات قمع ضد المعارضين وأسرهم.
تمييز ممنهج ضد أسر المتهمين
يشير التقرير إلى أن عائلات الأشخاص المتهمين بالانتماء إلى حركة كولن تواجه تمييزًا ممنهجًا، حيث يتم منعهم من التوظيف في القطاع العام، بل وتُحجب عنهم المعونات الاجتماعية.
يُسمح لأرباب العمل في القطاع الخاص بالاطلاع على سجلاتهم من خلال بوابة الضمان الاجتماعي (SGK)، ما يجعل إعادة إدماجهم في المجتمع أمرًا شبه مستحيل.
حتى الأحكام القضائية التي تنصف بعض المفصولين – مثل قرار إعادة 450 قاضيًا في 2024 – قوبلت برفض علني من الرئيس أردوغان، ما يعكس الإصرار على سياسة “الإقصاء الدائم”.
نداء استغاثة
يختم إبراهيم شهادته بنداء إنساني: “زوجتي وطفلي يصارعان للبقاء خلف القضبان. من فضلكم، لا تصمتوا. ساعدونا.”

