أثارت بيانات حديثة صادرة عن وزارة العدل التركية، كشفت عن وقوع 1,026 حالة وفاة في السجون التركية بين يوليو 2023 وديسمبر 2024، جدلاً واسعاً بشأن الأوضاع الحقوقية داخل مؤسسات الاحتجاز في البلاد.
وقد نشرت هذه الإحصائيات في إطار رد حكومي على سؤال برلماني تقدم به حزب “الشعوب الديمقراطية والمساواة” (DEM) عبر النائبة نوروز أويصال أصلان، التي وصفت الأرقام بأنها صادمة وتشير إلى مأساة إنسانية ممنهجة.
أرقام قاتمة تعكس أزمة ممنهجة
صرّحت أصلان أن ما يحدث في السجون التركية لا يرقى إلى كونه تنفيذًا لعقوبة قضائية، بل يتعدى ذلك إلى ما يشبه “سياسة إقصاء وتصفية”. وأكدت أن وفاة شخصين يومياً في السجون لا يمكن أن يُفهم على أنه تقصير عرضي أو إخفاق إداري، بل هو نتيجة نهج ممنهج يعكس فلسفة أمنية قاسية تهدف إلى قمع المعارضين وسحق الفئات المستضعفة خلف القضبان. وقالت أصلان: “السجون لم تعد أماكن للاحتجاز والإصلاح، بل أصبحت أماكن يُنتزع فيها الحق في الحياة تدريجياً.”
الإهمال الطبي: سلاح غير معلن
من أبرز الانتهاكات التي تم توثيقها في السجون التركية، وفقاً لأصلان، هو منع العلاج عن السجناء المرضى وتأخير إطلاق سراحهم حتى بعد تدهور أوضاعهم الصحية بشكل خطير.
وأشارت إلى حالة عبد القادر كوداي، المصاب بمرض التصلب الجانبي الضموري (ALS)، والذي تُرك ليموت ببطء داخل السجن رغم المناشدات الطبية والحقوقية، ورغم تقارير النيابة التي أكدت خطورة وضعه.
وقالت: “ما شهدناه كان موتاً بطيئاً تحت أعين الجميع، حيث لم يتلقَّ أي رعاية طبية مناسبة، ولم يُسمح له بالخروج للعلاج لدى عائلته، بل اعتُبر تهديداً مجتمعياً حتى الرمق الأخير.”
غياب الشفافية والتحقيقات الشكلية
أكدت أصلان أن معظم الوفيات في السجون التركية، بما في ذلك تلك التي تُوصف بأنها “مشبوهة”، لا تُفتح بشأنها تحقيقات جدية. وغالباً ما تُغلق الملفات بتوصيفات عامة وغامضة مثل “أسباب طبيعية”، “انتحار”، أو “نوبة قلبية”، دون وجود تقارير طبية محايدة أو تشريح جنائي دقيق. وأضافت: “هذه الممارسات تسلب الضحايا حقهم في العدالة، وتحرم ذويهم من الحقيقة.”
شهادات ووقائع موثقة
وفقًا لجمعية حقوق الإنسان التركية (İHD)، هناك ما لا يقل عن 1,412 سجيناً مريضاً، من بينهم مئات في حالة حرجة، يُحتجزون في ظروف تُفاقم معاناتهم الصحية. وتشير منظمات حقوقية محلية ودولية إلى أن الاكتظاظ، ورداءة الرعاية الصحية، وسوء التغذية، والمعاملة المهينة باتت سمات راسخة في النظام السجني التركي.
وأكدت تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش” أن العديد من السجون تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، حيث تُستخدم الزنازين المخصصة لعدد محدود من الأفراد لإيواء أضعاف العدد المقرر، ما يحوّل البيئة إلى مكان خانق نفسيًا وجسديًا.
ممارسات تمييزية بحق السجناء السياسيين
لا تقتصر الانتهاكات على جميع السجناء فحسب، بل تتضاعف حدة الانتهاكات بحق الصحفيين والمعارضين السياسيين، الذين يعانون من الحرمان من الزيارات العائلية، وغياب الوصول للمحامين، وسوء المعاملة داخل السجون.
ورغم التصريحات الحكومية المتكررة حول إصلاح المنظومة العقابية، إلا أن الرقابة المستقلة على السجون محدودة للغاية، ما يثير تساؤلات حقيقية حول الشفافية والمساءلة في هذا القطاع الحساس.
أزمة تضرب جذور النظام القضائي والحقوقي
تمثل هذه الكارثة الممتدة مؤشرًا واضحًا على عمق الانحدار الحقوقي في تركيا، في ظل مناخ سياسي تراجعت فيه الحريات العامة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، والتي أعقبها فرض حالة الطوارئ، وما تلاها من موجات اعتقالات جماعية طالت أكثر من 130 ألف موظف حكومي وآلاف العسكريين والقضاة، تحت ذرائع محاربة الإرهاب والانتماء إلى جماعات محظورة.
دعوات متجددة للإصلاح العاجل
دعت جمعيات حقوقية ومنظمات دولية إلى إصلاح هيكلي عميق للمنظومة السجنية في تركيا، مطالبين الحكومة بتقليص الاكتظاظ، وتحسين خدمات الرعاية الصحية، وضمان الشفافية والرقابة القضائية. كما شددوا على ضرورة مواءمة السياسات العقابية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

