أعلن وزير الداخلية التركي علي يرليكايا، عبر حسابه على منصة X (تويتر سابقًا)، عن تنفيذ عمليات أمنية متزامنة في 27 ولاية تركية، أسفرت عن اعتقال 101 شخصاً، وذلك بتهم تتعلق بـ”التواصل عبر الهواتف العمومية”، و”مساعدة مفصولين بمرسوم الطوارئ (KHK)”، و”الترويج لجماعات محظورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي”.
وشملت العمليات مدنًا رئيسية مثل: إسطنبول، وأنقرة، وإزمير، وبورصة، وديار بكر، وغازي عنتاب، وهاتاي، وأضنة،ورماردين، وأورفا، وغيرها. وتركزت الحملات الأمنية على مداهمات منزلية مكثفة، شملت فئات عمرية مختلفة من رجال ونساء وشباب وكبار سن ممن يزعم انتماؤهم إلى حركة الخدمة.
الملف القضائي: الاتهامات لا تستند إلى تعريف قانوني واضح
ما أثار الجدل حول هذه العمليات هو أن الاتهامات الموجهة للمعتقلين لا تندرج ضمن الأوصاف القانونية الصريحة للجرائم في القوانين التركية، وفقًا للخبراء القانونيين. ويتعارض ذلك مع المبدأ القانوني الدولي الأساسي “لا جريمة ولا عقوبة بلا نص”، وهو ما أكّدت عليه مراراً المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (AİHM)، التي أدانت تركيا في قضايا مماثلة بتهمة الاعتقال التعسفي والملاحقات غير القانونية.
ورغم تلك الأحكام الدولية المتكررة، يواصل وزير الداخلية علي يرليكايا الإعلان عن مثل هذه العمليات باعتبارها “نجاحات أمنية”، وسط غياب أي إثبات جنائي مباشر أو أعمال عنف تربط المعتقلين بتهم الإرهاب.
تناقض سياسي صارخ: من مفاوضات مع أوجلان إلى حملات على مدنيين
اللافت أن هذه العمليات تأتي في وقت لا تزال فيه حكومة حزب العدالة والتنمية تواجه انتقادات بسبب ازدواجية المعايير. فعلى الرغم من أن الحكومة نفسها وصفت عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني (PKK)، بأنه “قاتل 40 ألف إنسان”، فإنها كانت قد فتحت قنوات تواصل مباشرة معه خلال “مسار السلام” في السنوات الماضية، بل وناقشت علنًا إمكانية الإفراج عنه أو تخفيف شروط سجنه.
وفي المقابل، تُنفذ اليوم عمليات أمنية بحق أفراد مدنيين – بعضهم نساء وأطفال – دون أي سجل جنائي واضح، فيما يُعده مراقبون تناقضًا صارخًا في السياسة الجنائية.
البعد الحقوقي: تجاهل صارخ لقرارات المحكمة الأوروبية
المثير للقلق في هذه التطورات هو أن تركيا، كدولة عضو في مجلس أوروبا، تواصل تجاهل قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي دانت أنقرة مراراً بسبب ممارسات مشابهة، خاصة فيما يتعلق بـاستخدام أدلة فضفاضة (مثل الاتصال عبر هاتف عمومي أو تحويل مالي بسيط) لاتهام الأفراد بالانتماء إلى جماعات محظورة، وتهم غير محددة تنتهك مبدأ الوضوح القانوني، وملاحقة الأشخاص بسبب آرائهم أو مساعداتهم الإنسانية، دون إثبات نوايا جرمية.
الإعلام الموالي: تسويق الحملات على أنها “إنجازات أمنية”
رافقت هذه العمليات حملة إعلامية واسعة من قبل وسائل الإعلام القريبة من الحكومة، حاولت تأطير الحملة على أنها “نجاح ضد الإرهاب”، متجاهلة البعد الحقوقي والقانوني والواقع الاجتماعي الذي يُظهر أن معظم المعتقلين لم يثبت ضدهم أي تورط فعلي في أعمال عنف.

