في تصريح يحمل دلالات سياسية قوية، وجّه مقرر البرلمان الأوروبي لشؤون تركيا، ناتشو سانشيز آمور، انتقادات لاذعة للسلطات التركية، متّهماً إياها باستخدام قوانين مكافحة الإرهاب كذريعة لقمع المعارضين السياسيين، رغم انحسار التهديد الفعلي الذي كانت تُمثّله، وفقا للرواية الرسمية، جهات مثل حزب العمال الكردستاني (PKK) أو جماعة فتح الله كولن.
قوانين الطوارئ: من حماية الدولة إلى قمع المجتمع
يرى سانشيز آمور أن تركيا انزلقت بعد محاولة الانقلاب في 2016 إلى حالة طوارئ دائمة، تجلّت في تشريعات تم تمريرها بحجة حماية الدولة، ولكنها أصبحت تُستخدم لاحقاً ضد سياسيين منتخبين، وصحفيين، وطلاب، ونقابات. ويقول آمور: “القوانين التي أُقرّت لحماية الدولة من الانقلابيين، باتت تُستخدم ضد من لا علاقة لهم بالمحاولة الانقلابية.”
نهاية مشروع الانضمام الأوروبي؟
يشير المقرر الأوروبي إلى أن هذه التطورات أدّت إلى تجميد مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، لأن النظام السياسي التركي فقد توافقه مع “الحمض النووي الديمقراطي” لأوروبا، حسب تعبيره.
إمام أوغلو في مرمى الاستهداف: “سيناريو بوليسي بلا مبرر”
انتقد سانشيز آمور بشدة الطريقة التي تم بها التحقيق مع رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، معتبراً إياها محاولة متعمّدة لـ”تجريمه شعبياً”، قائلاً: “في الديمقراطيات، عندما يُطلب من شخص المثول أمام القضاء، يُرسَل له استدعاء رسمي، لا أن يُقتحم منزله فجراً كما لو أنه يحمل متفجرات.”
تشبيه لاذع: الفرق بين الديمقراطية والاستبداد
استشهد آمور بمقولة لرئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل: “الديمقراطية هي عندما يُطرق بابك في الثالثة صباحاً وتكتشف أنه بائع الحليب، لا جهاز الأمن.” ويضيف أن الفرق بين تركيا والديمقراطيات الناضجة يُختصر في هذه الصورة الرمزية.
روسيا نموذجاً؟ هل تحوّلت تركيا إلى نسخة شرقية؟
يذهب آمور أبعد من ذلك بتشبيهه النموذج التركي الحالي بما وصفه بـ”النموذج الروسي”، مشيراً إلى تركيز السلطة بيد رجل واحد، ووجود انتخابات شكلية دون رقابة فعالة، وغياب البرلمان المؤثر، وقمع الإعلام، ومحاكمة المعارضة السياسية والمدنية.
ويختم هذه النقطة قائلاً: “إذا لم تكن ديمقراطية ناضجة، فلن تكون جزءاً من الاتحاد الأوروبي. هذه هي الحقيقة ببساطة.”
مرحلة ما بعد العمال الكردستاني: لا مبرر لبقاء قوانين الإرهاب بصيغتها الحالية
في ضوء إعلان عبد الله أوجلان دعوته لإنهاء التنظيم، وتصريحات عن احتمال تفكك حزب العمال الكردستاني وسحب سلاحه، يعتبر آمور أن هذا التحوّل يُشكّل فرصة لبداية سلام داخلي جديد. لكنه يضيف: “قانون مكافحة الإرهاب الذي صُمّم لمواجهة العمال الكردستاني، بات يُستخدم اليوم ضد كل من يرفع صوته، من طلاب إلى رؤساء بلديات.”
ويُحذّر آمور من أن استمرار هذا النهج سيقوّض فرص أي مصالحة مستقبلية، قائلاً: “إذا لم تعد هناك تهديدات من العمال الكردستاني، فلا يجب استخدام هذه القوانين كذريعة لإسكات المجتمع المدني والمعارضة.”
السياق السياسي الداخلي: مزيد من الانقسامات والشكوك
تأتي تصريحات آمور في ظل تصاعد الضغوط القضائية ضد المعارضة التركية، خاصة في إسطنبول، حيث يتم تصوير ملفات جنائية على أنها تهديدات أمنية كبرى. وتزامناً مع تراجع التأثير الفعلي لـ”التهديدات التقليدية” يبدو أن السلطة تسعى إلى ملء هذا الفراغ باختلاق تهديدات داخلية جديدة، على رأسها إمام أوغلو، بحسب مراقبين.
أوروبا تحذّر… ولكن هل تصغي أنقرة؟
يرى المراقبون الأوروبيون أن تركيا تجاوزت الخط الأحمر في استخدامها السياسي للقضاء ومكافحة الإرهاب. ومع أن الاتحاد الأوروبي ما زال يحتفظ بعلاقات استراتيجية مع أنقرة، فإن الرؤية الداخلية الأوروبية باتت واضحة: “النموذج السياسي الحالي في تركيا لا يليق بعضوية أوروبية.”

