بقلم: عمر مراد *
إن دراسة خطب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، زعيم حزب العدالة والتنمية، الموجّهة إلى الشعب التركي، قد تقود بسهولة إلى استنتاج مفاده أن السياسة الخارجية التي ينتهجها الحزب ترتكز على أسس أيديولوجية إسلامية وقومية متطرفة.
غير أن تحليل السياسات الفعلية التي تنفذها حكومة أردوغان، بعيدًا عن الخطابات، قد يكشف عن توجه براغماتي يهدف أساسًا إلى الحفاظ على علاقات إيجابية مع الغرب، وخاصة مع الولايات المتحدة.
وقد ظهرت أمثلة كثيرة على هذا التناقض طوال العقدين الماضيين من حكم أردوغان، إلا أن هذا المقال يسلط الضوء على بعض التطورات الحديثة التي تؤكد هذا الاتجاه.
مفارقة في الخطاب والسلوك السياسي: من اللعن إلى الحوار
ففي 30 مارس، وخلال خطبة له في مسجد عقب صلاة عيد الفطر، صرّح أردوغان بالقول: “اللهم دمّر إسرائيل الصهيونية”، فردّ عليه رئيس الشؤون الدينية علي أرباش، الذي كان إلى جانبه، بـ”آمين”. وقد بدا هذا الخطاب الحاد، المشابه للهجة الإيرانية في الخطاب الرسمي، وكأنه تمهيد لمواجهة وشيكة مع إسرائيل في الساحة السورية، حيث تختلف رؤى الدولتين حول مستقبل سوريا بعد تراجع سلطة نظام الأسد.
لكن ما حدث بعد ذلك كان مغايرًا تمامًا؛ فبعد عشرة أيام فقط، اجتمع مسؤولون أتراك وإسرائيليون في باكو، بدعوة من أذربيجان، لإجراء محادثات تهدف إلى إرساء آلية تفادي التصادم العسكري في سوريا. وقد صرّح مسؤول إسرائيلي أن إسرائيل أوضحت خلال اللقاء أن أي تغيير في تموضع القوات الأجنبية في سوريا – ولا سيما إنشاء قواعد تركية في منطقة تدمر – يُعدّ خطًا أحمر. وأضاف أن أي تهديد لأمن إسرائيل من شأنه أن يقوض سلطة الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع.
في المقابل، جاءت التصريحات التركية أكثر ليونة وتصالحًا. فقد أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن هدف الاجتماع كان تفادي سوء الفهم بشأن العمليات في سوريا. وأكدت وزارة الدفاع التركية أن المحادثات مع الجانب الإسرائيلي ستتواصل بهدف منع الحوادث غير المرغوبة في سوريا.
مقاربة مختلفة تجاه قوات سوريا الديمقراطية (قسد)
هذا السلوك التصالحي لا يقتصر على العلاقة مع إسرائيل، بل ينسحب أيضًا على سياسة أنقرة تجاه قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تمثل وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) عمودها الفقري.
ترى الحكومة الإسرائيلية أن إقامة نظام فدرالي في سوريا، يمنح الجماعات العرقية كالأكراد والدروز حكومات محلية وقوات أمن مستقلة، يتماشى مع مصالحها الأمنية الاستراتيجية. ورغم غموض سياسة إدارة ترامب آنذاك، فإن واشنطن لطالما دعمت إضفاء الشرعية على قسد، شريكتها العسكرية في الحرب على تنظيم الدولة.
من جهته، طالما أصر أردوغان على ضرورة تفكيك قسد وتجريدها من السلاح ودمجها في النظام السوري، بحجة أن وحدات حماية الشعب الكردية تمثل امتدادًا لحزب العمال الكردستاني المحظور. وكانت أنقرة ترفض تمامًا استخدام مصطلح “قوات سوريا الديمقراطية”، وتصر على وصفها بـ”YPG/PKK”، (حزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب الكردية) في محاولة لعزلها دوليًا.
وقد سبّب هذا الموقف توترًا مزمنًا في العلاقات بين أنقرة وواشنطن، بلغ ذروته في رسالة وجهها ترامب لأردوغان، طالبه فيها بوقف عملية عسكرية ضد قسد، مستخدمًا لهجة مهينة. وأذعنت أنقرة على مضض حينها، لكن هذا الملف لا يزال يؤثر على العلاقات الثلاثية بين تركيا، الولايات المتحدة، وإسرائيل.
مؤشرات على تغيّر في الخطاب التركي
رغم ذلك، يبدو أن حكومة أردوغان بدأت بإعادة تموضع محسوبة. فقد أبدت أنقرة رد فعل إيجابيًا تجاه الاتفاق الموقّع في 10 مارس بدمشق بين الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، وهو تطور يُفسّر على أنه تخفيف للهجة العدائية تجاه عبدي، الذي كانت أنقرة تصفه سابقًا بـ”الإرهابي”.
وبعد ذلك، صرّح وزير الدفاع التركي يشار غولر، وللمرة الأولى، مستخدمًا مصطلح “قوات سوريا الديمقراطية” بدلًا من YPG/PKK. وتكرر الموقف حين استخدم أحد الصحفيين المحسوبين على الحكومة المصطلح نفسه خلال مقابلة مع أردوغان على متن طائرته العائدة من زيارة رسمية إلى روما، ولم يصححه الرئيس كما جرت العادة.
هذا التغير في الخطاب، وخاصة في سياق سيطرة كاملة من النظام على وسائل الإعلام، يشي بتعديل مقصود في الخط السياسي، وليس مجرد هفوة.
رهانات أردوغان على ترامب وورقة سوريا
يدرك أردوغان أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض تمثل فرصة استراتيجية له، لا سيما في ظل تدهور شعبيته داخليًا بفعل الأزمة الاقتصادية الحادة واعتقال منافسه الأبرز، رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، في 23 مارس الماضي بتهم فساد مثيرة للجدل.
يسعى أردوغان إلى ضبط ملف سوريا بما لا يهدد علاقته المستقبلية بترامب، ويأمل أن تساعده هذه العلاقة في تجاوز مأزقه السياسي الداخلي.
وبينما يشعر بالطمأنينة بسبب هيمنته على 90٪ من وسائل الإعلام التركية، إلا أن هذا لم يمنع من تآكل شعبيته المستمر، ما يُظهر محدودية القدرة على التوفيق بين خطاب متشدد موجه للداخل، وسلوك براغماتي على الساحة الدولية.
التوتر بين الخطاب والسياسة: مأزق الزعيم الاستبدادي
إن التناقض بين ما يقوله أردوغان وما يفعله يُبرز أزمة حقيقية في النظام السياسي التركي الحالي، حيث تُستخدم الشعارات الأيديولوجية لحشد الجمهور، بينما تُدار السياسة الخارجية بمعايير واقعية تفرضها المصالح الدولية.
لكن هذا النمط من الازدواجية، وإن كان مفيدًا تكتيكيًا، يحمل في طياته خطر أن يُحتجز الزعيم رهينة خطابه المتشدد، كما حصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي فاجأ العالم بغزو أوكرانيا.
* عمر مراد: محلل سياسي ودبلوماسي تركي سابق، يقيم حاليًا في ألمانيا.
المصدر: موقع توركيش مينوت

