عقدت الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECtHR) جلسة استماع الأربعاء للنظر في قضية معلم تركي ذي علاقة مع حركة الخدمة، وهي من القضايا البارزة التي تختبر مدى التزام أنقرة بالمعايير الأوروبية في تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب.
ويمثل الملف محاولة قانونية لوقف ما وصفه محامو المدّعي بـ”تسليح تركيا لتهم الإرهاب” بهدف معاقبة سلوكيات غير إجرامية تعود إلى فترات ماضية، عندما لم تكن الأنشطة موضع اتهام أو تجريم.
خلفية القضية: من التعليم إلى الاتهام
المواطن التركي شابان ياساق حُكم عليه بالسجن لأكثر من ست سنوات بتهمة “الانتماء إلى تنظيم إرهابي”، استنادًا إلى أنشطة سابقة وصفها الدفاع بأنها قانونية بالكامل آنذاك، منها:
- التدريس لطلاب
- السكن في مساكن طلابية تابعة لحركة كولن
- العمل في شركة قانونية تم إغلاقها لاحقًا بموجب مرسوم
- إيداع أموال في بنك “آسيا”، الذي كان مرخّصًا رسميًا من الدولة
السياق السياسي: من الحليف إلى العدو
تستهدف القضية الحملة الأمنية الواسعة التي أطلقتها أنقرة ضد حركة الخدمة، وهي حركة دينية مدنية تستوحي فكر الراحل فتح الله كولن.
ورغم أن الحركة كانت تحظى بدعم حكومي علني حتى عام 2013، إلا أن السلطات التركية صنّفتها “تنظيمًا إرهابيًا” بعد الكشف عن تحقيقات فساد تورط فيها رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان ومقربون منه.
وتصاعدت الحملة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، والتي حمّلت أنقرة مسؤوليتها لكولن وأنصاره، رغم نفي الحركة أي تورط أو صلة بالعنف.
أرقام صادمة في ظل غياب المحاسبة
منذ عام 2016، تم التحقيق مع أكثر من 705,000 شخص بتهم مرتبطة بالإرهاب أو الانقلاب بسبب مزاعم انتمائهم للحركة. ويوجد حاليًا 13,251 شخصًا على الأقل في السجون التركية على خلفية قضايا ذات صلة.
حجج الدفاع: انتهاك مبدأ “لا جريمة دون قانون”
استند محامو ياساق إلى المادة 7 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تحظر العقوبة بأثر رجعي، مشيرين إلى أن موكلهم لم يرتكب أي فعل إجرامي وقت وقوعه.
وحذّر المحامي يوهان هايمانس من أن الحكم السابق الصادر عن الغرفة الثانية للمحكمة قد يُستخدم كـ”مشرعن لانتهاكات واسعة”، خصوصًا أنه يأتي بعد حكم تاريخي في قضية يالتشينكايا عام 2023، الذي أدان تركيا لاستخدامها “مؤشرات غير مباشرة” كأدلة إدانة، مثل استخدام التطبيقات المشفرة أو المعاملات البنكية العادية.
وأضاف هايمانس: “في 2023، خرجنا من هذه القاعة بالأمل بعد حكمكم في قضية يالتشينكايا. لكننا أخطأنا. تركيا لم تلتزم. بل العكس، استخدمت حكم الغرفة الثانية في قضية ياساق لتبرير نفس الانتهاكات التي سبق وأدانتها المحكمة.”
موقف الحكومة التركية
ردّت الحكومة التركية بالدفاع عن الحكم، زاعمة أن ياساق لعب دورًا قياديًا داخل “هيكل تنظيمي سري”، وأن القانون المحلي يوفّر أسسًا واضحة للإدانة.
غير أن محامي الدفاع رفضوا هذه الادعاءات، مؤكدين أن لا شيء في سلوك موكلهم يشير إلى نية إجرامية أو علم بنشاط مخالف.
مخاوف دولية واسعة
قدّمت ثلاث جهات أممية وأوروبية مذكرات طرف ثالث في القضية، هي:
- المقرر الأممي الخاص بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب
- رابطة المحامين الجنائيين الأوروبية
- الاتحاد الإيطالي لحقوق الإنسان
وحذّرت هذه الجهات من تآكل مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية في تركيا، وتحويل قوانين مكافحة الإرهاب إلى أدوات لقمع المعارضة والمجتمع المدني.
انتظار حكم الغرفة الكبرى
لم تُصدر المحكمة حكمها النهائي بعد، ومن المتوقع أن يُعلَن القرار في الأشهر المقبلة، في قضية قد تشكّل نقطة تحوّل قانونية وسياسية في العلاقات بين أنقرة والمجلس الأوروبي.

