الشمال القبرصي… بوابة الفساد الإقليمي
تشهد الساحة السياسية في تركيا، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، تصاعداً متسارعاً في فضائح الفساد التي باتت تهدد استقرار البلاد. ووفقاً لما تكشفه تقارير وتحقيقات صحفية حديثة، فإن “جمهورية شمال قبرص التركية” (KKTC) أصبحت مركزاً لعمليات مالية مشبوهة، أبرزها غسيل الأموال، تُدار من قبل شبكات مترابطة تجمع بين رجال أعمال نافذين ومسؤولين سياسيين رفيعي المستوى.
مقتل زعيم المراهنات… بداية سلسلة فضائح
في قلب هذه القصة، يبرز اسم خليل فاليالي، رجل الأعمال المعروف بلقب “بارون المراهنات غير القانونية”، والذي اغتيل في فبراير 2022. وقد أعادت شهادات جديدة الاهتمام بالقضية، خصوصاً بعد أن أجرى جميل أونال، الذراع المالي لفاليالي، مقابلة صحفية موسعة في قبرص الشمالية، كشف فيها عن تفاصيل دقيقة تتعلق بحركة الأموال والشخصيات المتورطة.
جميل أونال، الذي أوقف في هولندا منذ أكثر من عام ونصف وأُطلق سراحه بعد 16 شهراً، أفاد بأنه تعاون خلال فترة اعتقاله مع السلطات الهولندية والأمريكية، وقدم معلومات وافية عن الشبكة التي كان يديرها فاليالي، خصوصاً المتعلقة برشاوى منتظمة تُدفع لمسؤولين في تركيا وشمال قبرص.
شبكة رشاوى عابرة للحدود
بحسب ما كشفه أونال، كانت الأموال غير القانونية تُوزع شهرياً بمعدلات تصل إلى 15 مليون دولار، تُنقل نقداً أو عبر محلات الصرافة والمجوهرات لتجنب الرقابة الرسمية. وقد شملت حركة الأموال دولاً مثل روسيا البيضاء، ومالطا، والمملكة المتحدة، والإمارات، وقبرص وتركيا.
الرشاوى، وفقاً لأونال، وُجهت إلى شخصيات بارزة من بينها سليمان صويلو وزير الداخلية السابق (2016 – 2023)، (20 مليون دولار) ونائب الرئيس الأسبق فؤاد أقطاي (50 مليون دولار)، إضافة إلى مقصود سريم، المستشار المقرب من أردوغان والمشرف على الشؤون المالية والإدارية للرئاسة.
مستشار أردوغان… ومهمة استعادة الأشرطة
يكشف أونال أن فاليالي اشترى عقارات من عائلة سريم بأسعار مضاعفة مقابل حماية سياسية وبيروقراطية. كما أشار إلى علاقة وطيدة بين مقصود سريم وأبناء فاليالي، وأبرزها تورط ياسين أكرم سريم، نجل المستشار، والذي عُيّن سفيراً لتركيا في شمال قبرص في يوليو 2024 رغم افتقاره لأي خبرة دبلوماسية تُذكر، ثم أُقيل بعد سبعة أشهر دون توضيح رسمي.
بحسب أونال، كانت مهمة ياسين الأساسية هي استرجاع أرشيف من 45 شريط فيديو يحتفظ بها فاليالي، تُظهر مشاهد محرجة لشخصيات رفيعة من حزب العدالة والتنمية (AKP)، استخدمها فاليالي كأوراق ضغط.
يُعتقد أن من بين تلك الأشرطة ما يخص أبناء رئيس الوزراء الأسبق بن علي يلدريم ووزير الخارجية الحالي هاكان فيدان. وقد نجح ياسين، بحسب الرواية، في استعادة 40 شريطاً فقط، مما أثار غضب أردوغان، ودفعه إلى إقالة الأب والابن في توقيت واحد.
صراع النفوذ لا صراع الفضائح
الدبلوماسي السابق والمحلل السياسي التركي عمر مراد يرى أن القضية تتجاوز مسألة “الأشرطة الفاضحة”، مشيراً إلى أن “إقالة آل سريم لا ترتبط بالفضائح بقدر ما تعكس صراعاً داخلياً حول توزيع الأموال والنفوذ”. ويضيف أن “التكنولوجيا اليوم تجعل من السهل نسخ الأشرطة، ما يعني أن مصادرتها لا تنهي التهديد، بل تؤجل انفجاره”.
المعارضة ترفع الصوت… دون صدى
زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض أوزغور أوزيل ألقى خطاباً لاذعاً في البرلمان، أكد فيه تورط أبناء كبار المسؤولين، وذكر تحويل مبالغ ضخمة إلى حسابات مصرفية في بريطانيا خلال تولي ياسين أكرم سريم منصب نائب وزير الخارجية. وختم بالقول: “كل القذارة انكشفت، والآن نبحث عن مدّعٍ عام يجرؤ على فتح التحقيق”.
إلا أن النظام القضائي في تركيا اليوم، كما يشير عمر مراد، “لم يعد يتمتع بالاستقلالية منذ حملة التطهير التي تلت محاولة الانقلاب عام 2016، حين أقيل أكثر من 4 آلاف قاضٍ واستُبدلوا بموالين لأردوغان، معظمهم من جيل الشباب”.
القضاء المُسيس… ضامن للفساد
غياب سلطة قضائية مستقلة فتح الباب أمام الفساد المؤسسي. ويشير عمر مراد إلى أن “النظام الرئاسي في تركيا يُفرغ مبدأ فصل السلطات من مضمونه، إذ باتت السلطة التنفيذية قادرة على إيقاف أي تحقيق يُهدد مصالحها، مما يجعل من الفساد وسيلة للحكم لا استثناء”.
الاستثمار الأجنبي في مهبّ الريح
يتسبب هذا المناخ السياسي في إبعاد المستثمرين الأجانب، الذين يرون في تركيا بيئة غير آمنة اقتصادياً وقانونياً. فاعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في قضايا مشكوك في مصداقيتها ما هو إلا دليل إضافي على أن سيادة القانون تآكلت، وأن الحكم بات مرهوناً بالولاء لا بالكفاءة أو النزاهة.
تركيا بين مطرقة الفساد وسندان الاستبداد
في ظل التداخل بين المال والسلطة، يبدو أن تركيا تحت حكم أردوغان دخلت مرحلة تُهيمن فيها شبكات الفساد على مفاصل الدولة، وتحكم فيها الولاءات مسار القضاء والسياسة. وما لم يُفتح تحقيق شفاف وجاد، فإن أزمات البلاد السياسية والاقتصادية ستستمر في التصاعد، مخلفةً حالة من عدم الاستقرار الداخلي، وعزلة إقليمية ودولية متزايدة.

