في تطور يعكس تصاعد التوتر بين المؤسسات الأوروبية وأنقرة، تقدّم ثمانية وعشرون نائباً من أعضاء الجمعية البرلمانية التابعة لـمجلس أوروبا (PACE)، يمثلون برلمانات وطنية متعددة، بمقترح رسمي يدعو إلى فرض عقوبات على قضاة ومدعين عامين أتراك.
يأتي هذا التحرك على خلفية ما وصفه النواب بالإخفاق المستمر لتركيا في تنفيذ أحكام ملزمة صادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
المذكرة، المؤرخة في الثاني والعشرين من أبريل، لم تُناقش بعد داخل أروقة المجلس، إلا أنها تعكس توجهاً متنامياً داخل بعض الدوائر الأوروبية نحو استخدام أدوات ضغط قانونية وسياسية ضد مسؤولين محددين، بدلاً من الاقتصار على الانتقادات الدبلوماسية التقليدية.
عقوبات “ماغنيتسكي”: استهداف الأفراد بدل الدول
يدعو المقترح إلى تفعيل ما يُعرف بعقوبات “ماغنيتسكي”، وهي آلية قانونية تسمح بفرض إجراءات مباشرة على أفراد متهمين بانتهاك حقوق الإنسان، وتشمل حظر السفر، وتجميد الأصول، وقيوداً على الوصول إلى النظام المالي الدولي. ويستهدف هذا التوجه تحديداً القضاة والمدعين العامين وغيرهم من المسؤولين الذين يُعتقد أنهم لعبوا دوراً في استمرار احتجاز رجل الأعمال والناشط المدني عثمان كافالا.
هذا التحول نحو العقوبات الفردية يعكس إدراكاً أوروبياً بأن الضغط المؤسسي العام لم يعد كافياً لتغيير سلوك السلطات التركية، خصوصاً في الملفات القضائية الحساسة.
قضية كافالا: اختبار لالتزام أنقرة بالقانون الدولي
تُعد قضية كافالا واحدة من أبرز القضايا التي فجّرت الخلاف بين أنقرة والمؤسسات الأوروبية. فقد رأت المحكمة الأوروبية أن احتجازه ينتهك المادة الثامنة عشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، معتبرة أن الإجراءات القضائية استُخدمت لأغراض سياسية تهدف إلى إسكات صوته، وهو استنتاج سبق أن توصلت إليه المحكمة في قضية السياسي الكردي صلاح الدين دميرطاش.
ورغم صدور أحكام واضحة في عامي 2019 و2022، إضافة إلى إطلاق لجنة وزراء مجلس أوروبا إجراءً قانونياً ضد تركيا بسبب عدم الامتثال، لا يزال كافالا محتجزاً منذ عام 2017، بعد أن صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد في 2022 على خلفية احتجاجات “غيزي بارك” عام 2013، وهي تهم ينفيها بشكل قاطع.
حكم “يلتشينكايا”: مؤشر على أزمة بنيوية في القضاء
لم يقتصر المقترح على قضية كافالا، بل استند أيضاً إلى حكم بارز في قضية يلتشينكايا ضد تركيا، حيث خلصت المحكمة الأوروبية إلى وجود انتهاك للمادة السابعة من الاتفاقية، التي تضمن عدم إدانة أي شخص دون أساس قانوني واضح.
في هذه القضية، أُدين مدرس سابق بتهم تتعلق بالإرهاب استناداً إلى استخدامه تطبيق مراسلة مشفرا وعلاقاته المزعومة بحركة “الخدمة”. واعتبرت المحكمة أن المنطق القانوني الذي اعتمدته المحاكم التركية يتسم بالاتساع المفرط والغموض، محذرة من أن هذا النهج طُبق في آلاف القضايا المماثلة.
أرقام تكشف اتساع الأزمة القضائية
تشير المعطيات الواردة في المقترح إلى وجود أكثر من ثمانية آلاف طلب مشابه قيد النظر أمام المحكمة الأوروبية، إلى جانب ما يزيد على مئة ألف قضية داخل المحاكم التركية. كما تؤكد أن السلطات التركية واصلت إصدار أحكام مماثلة رغم الانتقادات القضائية الأوروبية، ما يعزز فرضية وجود نمط ممنهج في التعاطي مع هذه الملفات.
خلفية الصراع: من قضايا الفساد إلى ما بعد محاولة الانقلاب
تعود جذور هذا التصعيد إلى ديسمبر 2013، حين طالت تحقيقات فساد شخصيات مقربة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي اعتبرها مؤامرة تقف خلفها حركة “الخدمة” المرتبطة بالراحل فتح الله كولن. لاحقاً، صُنّفت الحركة كمنظمة إرهابية في مايو 2016، قبل أن تتصاعد الحملة الأمنية بشكل غير مسبوق عقب محاولة الانقلاب في يوليو من العام نفسه، والتي تتهم أنقرة كولن بتدبيرها، وهو ما تنفيه الحركة.
في هذا السياق، اعتمدت السلطات التركية معايير واسعة لتجريم الأفراد، شملت استخدام تطبيق “بايلوك”، أو امتلاك حساب في بنك “آسيا”، أو الاشتراك في صحيفة “زمان”، باعتبارها مؤشرات على الانتماء إلى الحركة.
أبعاد إنسانية وقضائية واسعة
وفقاً لأحدث البيانات الرسمية، تم إدانة أكثر من 126 ألف شخص منذ عام 2016 بتهم تتعلق بالارتباط بالحركة، ولا يزال أكثر من 11 ألفاً منهم خلف القضبان. كما تستمر الإجراءات القانونية بحق عشرات الآلاف، في حين يخضع نحو 58 ألف شخص لتحقيقات نشطة حتى اليوم.
إلى جانب ذلك، اضطر عدد كبير من الأفراد إلى مغادرة البلاد هرباً من الملاحقات، ما أضفى بعداً إنسانياً إضافياً على الأزمة، يتجاوز الإطار القانوني إلى تداعيات اجتماعية وسياسية أوسع.
دلالات سياسية: نحو تصعيد أوروبي تدريجي
رغم أن المقترح لم يتحول بعد إلى قرار رسمي، إلا أنه يعكس تحوّلاً نوعياً في طريقة تعاطي أوروبا مع الملف التركي، من الاكتفاء بالضغوط الدبلوماسية إلى التفكير في أدوات عقابية ملموسة. كما يطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين تركيا والمؤسسات الأوروبية، خاصة في ظل تزايد الانتقادات لسجل حقوق الإنسان واستقلال القضاء.
وفي حال تبني هذه العقوبات، فقد تمثل سابقة في استهداف مسؤولين قضائيين من دولة عضو في مجلس أوروبا، ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر القانوني والسياسي بين الجانبين.
يتجه التصعيد الأوروبي نحو استهداف مباشر لمسؤولين قضائيين أتراك، في ظل استمرار تجاهل أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. القضية تعكس أزمة أعمق في بنية القضاء التركي، وتضع العلاقات مع أوروبا أمام اختبار حاسم.

