قال السياسي والاقتصادي التركي جيم توكر إن تركيا تشهد تراجعا في مبدأ استقلالية القضاء وسيادة القانون بشكلٍ خطير، بسبب التدخلات السياسية والإجراءات القضائية غير العادلة، بحيث بات “وضع العدالة اليوم أسوأ مما كان عليه في عصور حمورابي وجستنيان”، وهما من أبرز رموز تأسيس القانون في التاريخ.
في حديث عاصف على قناة “سوزجو تي في”، عبّر، جيم توكر، الذي سبق أن شغل منصب رئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي، عن أسفه العميق إزاء الذكرى السنوية لاستفتاء 16 أبريل 2017، والذي رأى فيه بداية الطريق نحو النظام الاستبدادي، حيث تم تمهيد الأرض لما بات يعرف اليوم بـ”نظام الرجل الواحد”، على حد وصفه. وأكد أن التصويت في ذلك الاستفتاء كان لحظة حاسمة مهدت لتفكك دولة القانون وتآكل استقلال القضاء في تركيا.
الاستفتاء والدور المفصلي للمجلس الأعلى للانتخابات
بحسب جيم توكر، فإن المسار بدأ فعلياً بإقرار نتائج استفتاء 2017 في ظل ما وصفه بـ”تجاوزات صارخة”، مشيراً إلى وجود اتهامات خطيرة تفيد بتغاضي المجلس الأعلى للانتخابات عن مخالفات تتعلق بحوالي 2.5 مليون ورقة اقتراع غير مختومة. وأضاف أن الشعب التركي لم يكن فقط متفرجاً، بل جزءاً من هذا التحول حين مرر هذه الممارسات بصمته، في حين أن المعارضة، التي كان من المفترض أن تكون حارساً لدولة القانون، آثرت الصمت والقبول.
تشريح النظام: من الغلادياتور إلى التفرد بالسلطات
شبه توكر المشهد التركي الحالي بما كان سائداً في الكولوسيوم الروماني، حيث لا مكان للعدالة وإنما لتصفية الخصوم أمام الجماهير. وأضاف: “هذا هو النظام، وهذه هي العدالة في نظام الرجل الواحد”، مذكّراً بتصريحات شهيرة لقيادات من حزب العدالة والتنمية قالوا فيها: “التشريع والتنفيذ والقضاء جميعها بأيدينا”. كما أشار إلى ما قاله المؤسس السابق في الحزب، حسين جليك، حين اعترف قبل أقل من عامين بأنهم أنشأوا “جهاز قضاء موالٍ”.
انحدار دولة القانون في المؤشرات الدولية
استند توكر إلى تقارير دولية موثوقة، مثل مشروع العدالة العالمي (World Justice Project)، الذي يستخدم معايير دقيقة تشمل مقابلات مع آلاف المحامين ومراقبة أداء المؤسسات، حيث وضعت هذه التقارير تركيا في المرتبة 117 عالمياً في مؤشر سيادة القانون، متأخرة حتى عن كثير من الدول الإفريقية. وأوضح أن هذا التراجع يعكس غياب المحاسبة وتآكل الثقة في استقلال القضاء.
العدالة الشكلية وتغيب الأدلة
أعرب توكر عن استغرابه من المحاكمات التي تجري في غياب أي أدلة ملموسة، مشيراً إلى أن أحد المبادئ الأساسية في القانون هو أن “الجريمة شخصية، ويجب أن تثبت بالأدلة”، متسائلاً عن مصير ملفات لا تتوفر فيها تقارير جنائية أو تقارير رسمية بشأن الأدوات المستخدمة في الجريمة، ولا شهود أو ضحايا موثقين.
مفهوم العدالة بين الأخلاق والفلسفة
شدد توكر على أن القانون ليس فقط نصوصاً جامدة، بل هو نتاج تاريخ وفلسفة وأخلاق، مستنكراً اختزال العدالة في مجرد شهادة جامعية أو وظيفة رسمية، معتبراً أن “روح القانون” غائبة تماماً في تركيا اليوم.
المجتمع الدولي يعبّر عن القلق
أشار توكر إلى أن هذه الممارسات لم تعد شأناً داخلياً، إذ بدأت المؤسسات الدولية، مثل البرلمان الأوروبي وبعض أعضاء الكونغرس الأمريكي، توجيه انتقادات مباشرة للسلطات التركية، مؤكدين أن هذه المحاكمات ذات طابع سياسي بحت.
منظومة الفساد: بين الرشاوى وتلاعب القوانين
لم يخف توكر غضبه مما وصفه بـ”ممارسات فساد ممنهجة”، مذكّراً أن الحكومة التركية عدّلت قانون المناقصات أكثر من 200 مرة، ما يشير إلى نية مبيتة لإضعاف الشفافية. واستشهد باعتراف رسمي من شركة دواء أمريكية، أقرت أمام وزارة العدل الأمريكية بأنها دفعت ملايين الدولارات لمسؤولين في وزارة الصحة التركية من أجل تسهيل الحصول على التراخيص، وقبلت بدفع غرامة تجاوزت 21.5 مليون دولار كعقوبة. وأضاف: “هل سمعتم بتحقيق واحد فُتح في هذا الملف؟ طبعاً لا، لأن القضية طُويت كما طُويت ملفات سابقة مثل فضيحة ‘منارة البحر’ التي صنفتها ألمانيا كأكبر عملية احتيال في العصر الحديث”.
شهادات من الداخل: حين يتكلم القضاة
ذكّر توكر بتصريحات قاضٍ تركي سابق اعترف بوجود “دواليب فساد” داخل النظام القضائي، حيث تُحسم القضايا تحت الضغط وبالمال. وأكد أن هذه التصريحات لم تُقابل بأي تحقيق رسمي، رغم أن وزير العدل يظهر يومياً على الشاشات متحدثاً عن استقلال القضاء.
التحول التاريخي: من عدالة متعثرة إلى عدالة مسيّسة بالكامل
وفي خلاصة تحليله، أشار جيم توكر إلى أن تركيا لم تكن أبداً في تاريخها دولة قانون مثالية، حتى قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، مذكّراً بمقولة شهيرة “القضاة عالقون بين المحفظة والضمير”. لكنه أكد أن ما جرى بعد استفتاء 2010 ومن ثم استفتاء 2017، لا يشكل فقط تراجعاً، بل يمثل نهاية لما تبقى من استقلالية القضاء.

