بدأت القاهرة وباريس مرحلة جديدة من التعاون السياسي والإقليمي، في ظل تحولات عميقة يشهدها النظام الدولي، لا سيما على وقع السياسات المثيرة للجدل التي يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تنعكس سلباً على مصالح عدد من العواصم، من بينها مصر وفرنسا.
وقد جاءت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر، التي امتدت من الأحد إلى الثلاثاء، لتؤسس لما يبدو أنه تحالف استراتيجي طويل الأمد، لا سيما بعد لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وانضمام العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى القمة التي عقدت في القاهرة.
وتضمّنت الزيارة إشارات رمزية وسياسية قوية، عكستها الاستقبالات الرسمية واللقاءات متعددة الأطراف، كما عكستها مضامين المحادثات، التي لم تقتصر على الملفات الثنائية، بل شملت قضايا إقليمية ملحة، وعلى رأسها الحرب في قطاع غزة، ومستقبل القضية الفلسطينية، ومقترحات دولية يُنظر إليها بوصفها تهديداً مباشراً للأمن القومي لكل من مصر والأردن، وعلى رأسها مشروع تهجير سكان غزة إلى أراضي البلدين.
وفي هذا السياق، أجرى القادة الثلاثة – السيسي وماكرون وعبد الله الثاني – اتصالاً هاتفياً مشتركاً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، طالبوا خلاله بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، واستئناف تدفق المساعدات الإنسانية، والإفراج عن جميع الرهائن والمحتجزين، بحسب بيان صادر عن المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية.
فرنسا تعيد رسم تحالفاتها في الشرق الأوسط
تسعى فرنسا في هذه المرحلة إلى تعزيز حضورها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، في ظل تراجع نفوذها في بعض الدول الإفريقية والشرق أوسطية، مثل سوريا ولبنان، وهو ما يفسّر مساعيها لنسج شراكات استراتيجية مع دول محورية، مثل مصر. ومن جهتها، ترى القاهرة في باريس حليفاً دولياً موثوقاً، يمكن أن يسندها سياسياً واقتصادياً في ظل توجه الإدارة الأميركية نحو تبني مواقف منحازة لإسرائيل بصورة صارخة، على نحو يهدد مصالح مصر المباشرة.
ويرى مراقبون أن زيارة ماكرون تجاوزت الطابع البروتوكولي التقليدي، وشكّلت رسالة رمزية قوية تعبّر عن نية سياسية لدى الطرفين لإعادة ضبط بوصلة العلاقات الإقليمية، في مواجهة السياسات الأميركية التي يُخشى أن تكرّس مزيداً من عدم الاستقرار. وقد تجلّت ملامح هذا التوجه في الطابع الاحتفالي والمقصود لبعض فقرات الزيارة، في محاولة لتوصيل رسالة للعالم بشأن بداية تحالف جديد له أهداف استراتيجية أعمق مما تم التصريح به علناً.
قمة القاهرة الثلاثية: دعم لحل الدولتين ورفض للتهجير
في مؤتمر صحفي مشترك عقد في القاهرة، أكّد الرئيسان السيسي وماكرون توافقهما على ضرورة وقف إطلاق النار في غزة، ورفض أي محاولة لتهجير الفلسطينيين، مشددين على أهمية إيصال المساعدات الإنسانية إلى القطاع. كما أعلنا دعمهما للرئيس اللبناني ميشال عون والحكومة اللبنانية في سعيهما لتحقيق الاستقرار، مشيرين إلى ضرورة التزام الأطراف كافة بوقف الأعمال العدائية، والحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها، فيما اعتُبر رسالة ضمنية إلى إسرائيل التي تقوم بعمليات عسكرية متكررة في كل من لبنان وسوريا.
وشدد ماكرون على أن مصر تمثل “شريكاً تاريخياً واستراتيجياً” لفرنسا، معرباً عن تطلعه إلى تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع آفاق التعاون في مختلف المجالات. وفي خطوة رمزية، نشر الرئيس الفرنسي فيديو على منصة “إكس”، يظهر فيه مرافقة طائرات الرافال المصرية لطائرته الرئاسية، معتبراً ذلك دليلاً على عمق التعاون العسكري بين البلدين.
نحو شراكة استراتيجية شاملة
وقد شهدت الزيارة توقيع إعلان مشترك لرفع مستوى العلاقات الثنائية إلى شراكة استراتيجية، وتوقيع عدد من مذكرات التفاهم في مجالات متعددة، من بينها الصحة والنقل والطاقة المتجددة والتعليم والذكاء الاصطناعي. ورافق ماكرون وفد رفيع المستوى، ضم وزراء الخارجية والدفاع والاقتصاد والصحة والنقل والبحث العلمي، ما يؤكد الطابع المتعدد الأبعاد للزيارة.
كما تناول الرئيسان السيسي وماكرون الخطة العربية لإعادة إعمار غزة، واتفقا على تنسيق الجهود فيما يتعلق بالمؤتمر المزمع عقده في القاهرة بعد وقف الحرب، بهدف إعادة إعمار القطاع. ومن المقرر أن يترأس ماكرون في يونيو المقبل، إلى جانب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مؤتمراً دولياً لبحث آفاق حل الدولتين، وهو ما قد يمهد لاعتراف فرنسي رسمي بالدولة الفلسطينية.
وفي تصريح لصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، أكد مصدر رسمي أن باريس تعتبر فاعلاً رئيسياً في منطقة الشرق الأوسط، وتسعى من خلال تعزيز علاقتها مع مصر إلى إعادة تشكيل خريطة تحالفاتها، لا سيما في مواجهة سياسات ترامب.
زيارة العريش: دعم إنساني ورسائل سياسية
وفي اليوم الثالث من الزيارة، توجّه الرئيس الفرنسي إلى مدينة العريش في شمال سيناء، حيث تفقد برفقة الرئيس المصري مستشفى العريش العام، والتقى عدداً من الجرحى الفلسطينيين الذين أصيبوا خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. كما زار الرئيسان مركز الهلال الأحمر المصري، المخصص لجمع وتوزيع المساعدات الإنسانية المتجهة إلى غزة، وشاركا في لقاءات مع فرق الإغاثة والطواقم الطبية.
وخلال الزيارة، شدد السيسي وماكرون على “الضرورة الملحة” لوقف إطلاق النار، والتسريع في إيصال المساعدات الإنسانية إلى سكان القطاع، مجددَين رفضهما القاطع لأي محاولة لتهجير الفلسطينيين من أرضهم.
وقد احتشد عدد كبير من المواطنين المصريين في شوارع العريش للترحيب بالرئيسين، رافعين لافتات تؤكد رفض التهجير، من قبيل: “غزة ليست للبيع”، و”لا لتصفية القضية على حساب سيناء”، في تعبير واضح عن موقف شعبي داعم للموقف الرسمي المصري.
الجهود الطبية المصرية في أرقام
وخلال زيارة مستشفى العريش، قدّم وزير الصحة المصري، خالد عبد الغفار، عرضاً مفصلاً للجهود الطبية المبذولة لعلاج الجرحى الفلسطينيين، مشيراً إلى أن مصر استقبلت نحو 107 آلاف فلسطيني منذ بداية الأزمة، وتم تطعيم 27 ألف طفل، فيما استقبلت المستشفيات أكثر من 8 آلاف مصاب، أجريت لهم ما يزيد عن 5,160 عملية جراحية، موزعين على 300 مستشفى في 26 محافظة. وبلغت تكلفة الرعاية الصحية المقدمة حتى الآن نحو 578 مليون دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى مليار دولار، وفق ما أعلنه الوزير، مع الإشارة إلى أن المساعدات العينية التي تلقّتها مصر لا تتجاوز 10 في المائة من إجمالي التكلفة.
وفي تصريح له من العريش، وصف ماكرون الأوضاع في غزة بأنها “غير مقبولة وغير مسبوقة”، مؤكداً أن أولويات فرنسا في الوقت الراهن تتمثل في “استئناف إدخال المساعدات”، وموضحاً أن القطاع، الذي يقطنه أكثر من مليوني إنسان، “ليس مشروعاً عقارياً”، بل قضية تاريخية وسياسية لا يمكن تجاهل جذورها.

