أفاد المحلل السياسي والدبلوماسي التركي السابق، عمر مراد، أن دعوة عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني (PKK)، لإنهاء العمليات المسلحة وحل المنظمة قد تكون مرتبطة بشروط معينة لا تشمل مجرد إنهاء الصراع المسلح دون ضمانات.
في مقال نشره موقع “توركيش مونيت” التركي الناطق باللغة الإنجليزية، أشار مراد إلى أن هذا الوضع يعكس معضلة كبيرة في السياسة التركية، حيث يتناقض الموقف الحكومي التركي مع دعوات أوجلان التي تطالب باعتراف كامل بالحقوق السياسية والقانونية للأكراد في تركيا وسوريا.
منذ انهيار نظام بشار الأسد في سوريا، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الهدف التالي سيكون “القضاء على قوات سوريا الديمقراطية (SDF)”، التي تشكل وحدات حماية الشعب (YPG) جزءًا أساسيًا منها، وتعد الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني. ورغم التهديدات التركية بشن عمليات عسكرية ضد وحدات حماية الشعب، فإن أردوغان لم يباشر بعد تنفيذ هذه التهديدات، ويبدو أن هذا التردد يعود إلى المخاوف من العقوبات المحتملة من الكونغرس الأمريكي، التي قد تشمل الكشف عن ممتلكات أردوغان، ما دفعه إلى تبني موقف أكثر حذرًا في الوقت الراهن.
وبحسب مراد، فإن التصريحات الأخيرة التي أطلقها قائد العمال الكردستاني، مراد كاراييلان، تدل على أن الحزب قد يكون مستعدًا للاستجابة لدعوة أوجلان لوقف العنف، ولكن بشروط محددة. ذكر كاراييلان أنه لن يتم اتخاذ أي عمل عسكري من قبل قوات العمال الكردستاني إلا في حالة التعرض للهجوم، ما يعني أنه يتعين على تركيا وقف جميع العمليات ضد الحزب. وأضاف أن نجاح هذا الحل يتطلب وضع الأسس القانونية والسياسية التي تضمن حقوق الأكراد، بما في ذلك إنهاء تعيين الأوصياء أو الأمناء في البلديات التي تديرها الأحزاب الكردية.
أما بالنسبة للمطلب الأكثر إثارة للجدل، فقد شدد كاراييلان على ضرورة أن يتولى أوجلان شخصيًا قيادة أي عملية لحل العمال الكردستاني في بيئة آمنة، مع الإشارة إلى أن ذلك يتطلب إطلاق سراحه من السجن والسماح له بالتواصل بحرية مع من يشاء. يرى مراد أن هذا يمكن أن يشير إلى وعد غير معلن من الحكومة التركية بتقديم بعض التنازلات السياسية، بما في ذلك إمكانية الإفراج عن أوجلان، ما يعكس تحولًا محتملاً في الموقف الحكومي التركي من المسألة الكردية.
من جهة أخرى، أضاف مراد أن هناك تباينًا واضحًا بين موقف تركيا الرسمي ودعوات أوجلان، حيث يرى البعض أن هذه الدعوات تستهدف بالدرجة الأولى العمال الكردستاني وجناحه العسكري، وليس وحدات حماية الشعب أو غيرها من فروع الحزب في سوريا وإيران. كما أن تصريحات مظلوم عبدي، قائد وحدات حماية الشعب، تؤكد أن دعوة أوجلان كانت موجهة إلى العمال الكردستاني وأنه ليس لها علاقة مباشرة بموقفهم في سوريا، ما يوضح أن وحدات حماية الشعب قد تكون بصدد اتباع استراتيجية تعزز من قوتها السياسية والعسكرية في شمال شرق سوريا.
وأشار مراد إلى أن هذا الوضع يتماشى مع التوجهات الحالية للإدارة الأمريكية، التي تقدر أن دعوة أوجلان قد تساعد في تهدئة المخاوف التركية بشأن الشركاء الأمريكيين في الحرب على داعش في شمال سوريا، لكن دون توقع أن ينتهي وجود وحدات حماية الشعب أو قوات سوريا الديمقراطية في المستقبل القريب. وتابع مراد أن الوضع قد يزداد تعقيدًا إذا حاول أردوغان التراجع عن هذه التنازلات في وقت لاحق، حيث قد تواجه تركيا تحديات سياسية داخلية وخارجية كبيرة في حال قرر العودة إلى موقف أكثر تشددًا.
وفي الختام، خلص مراد إلى أن أي تسوية سياسية محتملة تتطلب اعترافًا بالأكراد في سوريا من قبل تركيا، ما قد يكون خطوة نحو تحقيق تسوية حقيقية في الأزمة الكردية. إلا أن تلك التسوية تبقى مشروطة بتوازنات دقيقة بين المواقف المحلية والدولية، ومع تزايد التحديات الاقتصادية والسياسية التي يواجهها أردوغان، فإن اللعبة السياسية في تركيا قد تكون مرشحة لمزيد من التعقيد في المستقبل.

