شهدت العلاقات الإعلامية بين الجزائر وفرنسا جولة جديدة من التوتر، إثر بث القناة الفرنسية الثانية تقريرًا وثائقيًا يتناول أساليب المخابرات الجزائرية في مراقبة واستقطاب معارضي النظام على الأراضي الفرنسية. وردًا على ذلك، شنت وكالة الأنباء الجزائرية هجومًا لاذعًا على الإعلام الفرنسي، متهمة إياه بالتضليل ونشر معلومات منحازة، في تصعيد جديد للخلافات الإعلامية بين البلدين.
اتهامات جزائرية لفرنسا بالتضليل الإعلامي
في تقرير نشرته تحت عنوان “عندما تغرق فرانس تلفزيون في مستنقع التضليل الإعلامي”، اعتبرت وكالة الأنباء الجزائرية أن التقرير الفرنسي يمثل حملة إعلامية تستهدف الجزائر، مشيرة إلى أن وسائل الإعلام الفرنسية الرسمية لطالما تجنبت الانخراط في مثل هذه الحملات، على عكس بعض القنوات الخاصة التي يديرها رجال أعمال محسوبون على تيارات يمينية متطرفة.
ورأت الوكالة أن التقرير يفتقد إلى معايير الدقة والمهنية الصحفية، ويمثل ما وصفته بـ”مؤامرة إعلامية” تهدف إلى تشويه صورة الجزائر والتأثير على الرأي العام الدولي. كما أكدت أن الإعلام الجزائري، رغم ما اعتبرته حملات معادية سابقة، التزم بسياسة ضبط النفس في الرد على الهجمات الإعلامية الفرنسية.
مضمون التقرير الفرنسي: اتهامات للمخابرات الجزائرية بالتأثير على المعارضين
التقرير الوثائقي، الذي حمل عنوان “ليل العشرين ساعة”، كشف عن أنشطة استخباراتية جزائرية داخل فرنسا بهدف التأثير على معارضي النظام. ووفقًا للتحقيق، فإن أجهزة الاستخبارات الجزائرية لا تكتفي بمراقبة هؤلاء المعارضين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل تسعى أيضًا لاستمالتهم بعروض تشمل إسقاط التهم الموجهة إليهم مقابل التعاون مع السلطات الجزائرية.
ونقل التقرير عن مذكرة استخباراتية فرنسية تأكيدها أن الجزائر تعتمد على “استراتيجية تأثير” تهدف إلى توجيه مواقف الجالية الجزائرية في الخارج، مستندة في ذلك إلى شبكات تواصل اجتماعي ومنصات إعلامية رقمية. إلا أن التحقيق أشار إلى أن النشاط الاستخباراتي الجزائري يمتد إلى عمليات مباشرة على الأراضي الفرنسية، تشمل التواصل مع شخصيات معارضة ومحاولة استقطابها بطرق متعددة.
شهادات معارضين جزائريين في فرنسا
عرض الوثائقي شهادات لمعاريضين جزائريين يقيمون في فرنسا، من بينهم غيلاس عينوش، رسام كاريكاتير معارض يبلغ من العمر 36 عامًا، حكم عليه القضاء الجزائري غيابيًا بالسجن 10 سنوات بتهمة “الإساءة إلى شخص رئيس الجمهورية”. وأكد عينوش أنه رغم لجوئه إلى فرنسا، فإنه ما زال يتلقى تهديدات من أنصار النظام، متهمًا السلطات الجزائرية بمحاولة استقطابه عبر عروض تتضمن إسقاط العقوبة عنه مقابل التعاون.
كما كشف التقرير عن محاولات مماثلة لاستمالة ثلاثة أعضاء من حركة استقلال القبائل، المصنفة في الجزائر كمنظمة إرهابية. ووفقًا لشهاداتهم، فقد تلقوا عروضًا مباشرة من شخصيات زعمت أنها تمثل الدولة الجزائرية، تضمنت مقترحات بإلغاء إدانتهم القانونية إذا وافقوا على العودة إلى الجزائر والتعاون مع النظام.
أساليب الاستجواب داخل القنصليات الجزائرية في فرنسا
وتطرق الوثائقي إلى الأساليب التي يُزعم أن السلطات الجزائرية تستخدمها داخل بعض القنصليات في فرنسا، حيث يتم استدعاء بعض المعارضين للتحقيق معهم في مكاتب أمنية غير رسمية. وبحسب الفيلم، فقد حصل الصحفيون على تسجيلات سرية توثق جلسات استجواب يتعرض لها معارضون جزائريون داخل القنصليات، حيث يُطلب منهم الكشف عن علاقاتهم وتحركاتهم السياسية، في محاولة لجمع معلومات حول نشاطات المعارضة في الخارج.
تصعيد إعلامي جزائري ضد فرنسا وتوتر دبلوماسي متجدد
جاء الرد الجزائري سريعًا وقويًا، حيث لم تكتفِ وكالة الأنباء الجزائرية بالهجوم على التقرير، بل قامت وسائل إعلام جزائرية أخرى، مثل الشروق والنهار، بإعادة نشر الانتقادات وتوسيع نطاق الرد الإعلامي. كما نشطت حسابات جزائرية مؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج لخطاب مضاد لما ورد في الوثائقي، مع دعوات إلى مقاطعة القنوات والصحف الفرنسية.
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد الإعلامي يعكس توترًا دبلوماسيًا متجددًا بين البلدين، حيث شهدت العلاقات الجزائرية-الفرنسية في السنوات الأخيرة خلافات حادة، خاصة فيما يتعلق بالملفات الحقوقية وقضايا حرية التعبير. وتتهم السلطات الجزائرية الإعلام الفرنسي بمحاولة تشويه صورة البلاد وتسليط الضوء على قضايا مثل الحراك الشعبي واتهامات غياب الديمقراطية، وهو ما تعتبره الجزائر تدخلًا في شؤونها الداخلية.
الخلفية الاقتصادية والتغيرات في العلاقات الثنائية
ولم تغفل وكالة الأنباء الجزائرية البعد الاقتصادي في تحليلها، حيث اعتبرت أن الهجمات الإعلامية الفرنسية تأتي في سياق فقدان فرنسا لنفوذها الاقتصادي في الجزائر. وأشارت إلى أن الجزائر تعمل على تنويع شركائها الاقتصاديين وتقليل اعتمادها على النفوذ الفرنسي، ما أدى إلى تراجع مكانة باريس كشريك اقتصادي رئيسي للجزائر.
يجسد هذا التصعيد الإعلامي المتبادل بين الجزائر وفرنسا واحدة من أكثر جولات التوتر حدّة في علاقاتهما الثنائية، حيث لم يعد الخلاف مقتصرًا على الملفات السياسية والدبلوماسية، بل بات يمتد إلى الإعلام، الذي أصبح ساحة مواجهة جديدة تعكس التوترات العميقة بين البلدين. ومع استمرار هذا التصعيد، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه الأزمة الإعلامية ستؤثر على العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين الجزائر وباريس في المستقبل القريب.

