أثارت التغطية الإخبارية لصحيفة “قرار” حول العملية الأمنية التي استهدفت سلسلة مطاعم “مايدونوز دونر” انتقادات حادة من بعض كتّابها، حيث اعتبروا أن عنوان الصحيفة “الحكومة تنام، فيتو لا ينام” لا يتماشى مع المعايير الصحفية العادلة، متسائلين: “ماذا تريدون من هؤلاء الناس؟ هل تريدون أن يموتوا جوعًا؟”
وكانت وزارة الداخلية التركية قد أعلنت عن تنفيذ عملية أمنية ضد سلسلة المطاعم المذكورة، التي تضم 400 فرع داخل تركيا وخارجها، واعتقال 77 شخصا من بين نحو 400 من المشتبه بهم، بدعوى تحويلها أموالًا لصالح منظمة فتح الله كولن..، وهو الاسم الذي تطلقه السلطات التركية على حركة الخدمة التي تستوحي فكر الراحل فتح الله كولن.

انتقاد من داخل الصحيفة: “هذا العنوان لم يكن لائقًا بنا“
في برنامجها الحواري على قناة “قرار” على يوتيوب، انتقدت الصحفية أليف شاكر عنوان الصحيفة قائلة: “هذا العنوان وهذه الصياغة لا تليق بنا كصحفيين يطمحون إلى العدالة. نحن أيضًا لسنا فوق النقد”.
أما الصحفي يلدرم أوغور، فسلط الضوء على المعايير المزدوجة في التعامل مع القضايا القانونية في تركيا، متسائلًا عن سبب التعامل بانتقائية مع الملفات المختلفة، وقال: “إذا بدأنا في التفريق بين المظالم، فهذا لن يمنح الثقة لأحد. إذا اعتبرنا أن القضاء سيئ في قضية معينة وجيد في أخرى، فإن ذلك يهدم مفهوم العدالة”.
التمييز في القضايا القانونية: لماذا يتم التعامل مع منظمة كولن بشكل مختلف؟
يرى النقاد أن هناك ازدواجية واضحة في تعامل النظام القضائي مع القضايا، إذ يتم تسليط الضوء على الانتهاكات القانونية ضد المعارضة السياسية، مثل اعتقال رجال الأعمال المرتبطين بجمعية رجال الأعمال والصناعيين توسياد أو قضايا رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، بينما يتم التغاضي عن نفس المعايير عندما يكون المتهمون مرتبطين بجماعة كولن أو بحزب الشعوب الديمقراطي.
وأضاف أوغور: “منذ سنوات، تم وضع آلاف الأشخاص على لوائح الإرهاب لمجرد ارتباطهم بحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب أو مشاركتهم في اجتماع عبر تطبيق زووم، بينما يتم التعامل بنفس العقلية مع كل من له صلة بجماعة كولن”.
مصير “المتهمين”: لا عمل، لا سفر، ولا حتى حق الحياة؟
سلط الصحفيون الضوء على الظروف المأساوية التي يعيشها ضحايا مراسيم الطوارئ (KHK) والذين فقدوا وظائفهم بسبب اتهامهم بالانتماء لجماعة كولن، حيث لم يعد بإمكانهم العمل في القطاع الحكومي، كما أن القطاع الخاص يتجنب توظيفهم خوفًا من الملاحقة القانونية.
قال أوغور: “حتى لو حوكم الشخص وأطلق سراحه أو قضى عقوبته، فإن وصمة كونه (خائنًا أو متهمًا بالإرهاب) تبقى تلاحقه. إذا حاول تأسيس عمل خاص، يتعرض للإغلاق والملاحقة. فماذا يفعل هؤلاء الناس؟ هل يموتون جوعًا؟”
وفي نفس السياق، عبر عن رفضه لاستخدام مصطلح “فيتو” (منظمة فتح الله كولن)، مؤكدًا أن هذه التسمية أصبحت “مفتاحًا سحريًا” تستخدمه السلطة لقمع أي شخص تريد استهدافه، دون تقديم أدلة قانونية واضحة.
ازدواجية النظام القضائي: قبول كل الاتهامات أو رفضها جميعًا؟
انتقدت أليف شاكر تعامل القضاء مع القضايا المختلفة بانتقائية، مشيرةً إلى أن الاعتماد الأعمى على تقارير الدولة والأجهزة الأمنية يفرض علينا قبول كل الأحكام الصادرة، بما في ذلك القضايا المثيرة للجدل مثل اعتقال الناشط الحقوقي عثمان كافالا أو قضايا احتجاجات “غيزي بارك”.
وقالت: “إذا قبلنا بالأحكام القضائية في هذه القضية، فيجب أن نقبل بكل ما تقدمه الدولة، سواء تعلق الأمر بمعدلات التضخم الرسمية الصادرة عن معهد الإحصاء التركي أو الاتهامات الموجهة لكافالا أو غيره. لكن إذا كنا نشكك في هذه القضايا، فلماذا لا نطبق نفس المعايير هنا أيضًا بشأن حركة كولن؟”
رفض “تركيا الجديدة”: رفض لمنطق القمع والاستبداد
في ختام النقاش، عبرت شاكر عن رفضها لسياسات الحكومة الحالية، وخاصة تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان خلال المؤتمر العام لحزب العدالة والتنمية، التي قال فيها: “عليكم أن تعتادوا على ذلك”. فردّت بقولها: “أنا لن أعتاد على ذلك! ولن أقبل تركيا الجديدة هذه. إن كان المقصود بـ(تركيا الجديدة) قمع الحريات وإلغاء القانون، فأنا أحنّ إلى تركيا القديمة، حيث كان هناك قدر من العدالة والحرية”.
يرى مراقبون أن الانتقادات الحادة من داخل صحيفة “قرار” تعكس مدى الانقسام حتى داخل الأوساط الإعلامية الموالية نسبيًا للحكومة بشأن الممارسات القمعية المتزايدة. فبينما تصرّ السلطة على استخدام “فيتو” (منظمة كولن) كأداة سياسية، ترتفع الأصوات التي تدعو إلى معاملة جميع المتهمين بالقانون نفسه، دون انتقائية أو استهداف سياسي، مما يفتح الباب لنقاش أوسع حول العدالة في تركيا اليوم.

