شهدت تركيا خلال الأسبوع الماضي حملة أمنية واسعة استهدفت أشخاصًا يُشتبه في انتمائهم لـ”حركة الخدمة” التي أسسها الراحل فتح الله كولن، حيث أعلن وزير الداخلية التركي، علي يرلي كايا، عبر منصة “إكس” اليوم السبت عن اعتقال 103 أشخاص خلال عمليات نفذتها الشرطة في 39 ولاية تركية.
طبيعة الاتهامات الموجهة إلى المعتقلين
تتهم السلطات التركية هؤلاء الأفراد بالمشاركة في أنشطة مرتبطة بالحركة داخل الجامعات، والمؤسسة العسكرية، فضلاً عن المساهمة في تشكيل منظمة جديدة، رغم الحملة الأمنية المستمرة منذ أكثر من عقد، والتي تصاعدت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016. كما شملت الاعتقالات بعض الأشخاص الذين سبق أن خضعوا لمحاكمات بتهم تتعلق بالحركة، وصدر بحقهم أحكام قضائية نهائية بعد تأييدها من محاكم الاستئناف.
خلفية الخلاف بين الحكومة وحركة كولن
طوال سنوات، تمتعت حركة كولن بعلاقات إيجابية مع الحكومة التركية، حيث حظيت أنشطتها في مجالي التعليم والحوار بين الأديان والثقافات بإشادة رسمية. غير أن هذه العلاقة شهدت تحولًا جذريًا بعد عام 2013، حيث اتهمت الحكومة الحركة بالوقوف وراء تحقيقات الفساد التي طالت مسؤولين في الحكومة. وبلغ التوتر ذروته في مايو 2016، عندما صنفت الحكومة التركية الحركة كـ”منظمة إرهابية”، لتتوالى بعد ذلك حملات القمع ضد أتباعها، خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، والتي نفت الحركة أي علاقة لها بها.
يُذكر أن فتح الله كولن، الذي كان يقيم في الولايات المتحدة منذ عام 1999، وافته المنية يوم 20 أكتوبر 2023 في أحد مستشفيات ولاية بنسلفانيا عن عمر يناهز 83 عامًا.
الأسس التي تستند إليها الاعتقالات
تستند الاتهامات الموجهة إلى الموقوفين إلى عدة معايير، من بينها الإقامة في منازل تُوصف بأنها “سرية”، حيث يُعتقد أن أنصار الحركة يختبئون لتجنب الاعتقال، واستخدام الهواتف العمومية للتواصل مع قيادات الحركة، والاستفادة من مزايا غير مشروعة في امتحانات الدولة بسبب قربهم من الحركة، واستخدام تطبيق الهاتف المحمول “بايلوك”.
وقد اعتمدت ما تُعرف بـ”تحقيقات الهواتف العمومية” على سجلات المكالمات، حيث تفترض النيابة العامة أن كل شخص يستخدم هاتفًا عموميًا للاتصال بمجموعة من الأشخاص على التوالي هو عضو في الحركة، مما يؤدي إلى اعتبار جميع الأرقام التي تم الاتصال بها قبل أو بعد المكالمة مباشرة ذات صلة بالحركة، رغم عدم امتلاك السلطات أي تسجيلات لمحتوى تلك المكالمات.
أما تطبيق “بايلوك”، الذي كان متاحًا للتحميل على نطاق واسع ومفتوحا للجميع، فقد صنفته السلطات التركية كأداة سرية للاتصال بين أنصار الحركة منذ محاولة الانقلاب. إلا أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في قرارها الصادر عن الغرفة الكبرى في سبتمبر 2023، قضت بأن استخدام “بايلوك” لا يُعد جريمة بحد ذاته، ولا يشكل دليلًا كافيًا لتوجيه تهم جنائية، وذلك في سياق قضية المعلم السابق يُكسل يالتشين كايا.
استمرار الحملة الأمنية داخليًا وخارجيًا
على الرغم من قرارات القضاء الدولي، تعهد وزير الداخلية التركي بمواصلة الحملة الأمنية ضد أنصار الحركة. ومنذ عام 2016، خضع أكثر من 705,172 شخصًا لتحقيقات بتهم تتعلق بالإرهاب أو محاولة الانقلاب بسبب مزاعم ارتباطهم بالحركة، فيما لا يزال 13,251 شخصًا رهن الاعتقال إما بانتظار المحاكمة أو بعد صدور أحكام بحقهم. كما امتدت حملة القمع إلى خارج تركيا، حيث تواصل السلطات التركية مساعيها لاعتقال وترحيل المنتمين المزعومين للحركة من دول أجنبية.

