تُمثّل أزمة “صندوق السطو”، التي شهدت اختلاس نحو 20 مليار دولار، تحولاً هيكلياً فارقاً في مشهد الحكم في تركيا، حيث تجاوزت حدود الفساد المالي التقليدي لتشكل تهديداً مباشراً لاستقرار النخبة الحاكمة. وفي ظل صعوبة اندلاع حراك شعبي حاسم نتيجة تفكيك الشبكات التنظيمية والسيطرة على المجال الرقمي، يتجه ثقل الأزمة نحو التسبب في تصدع داخلي يتفجر من قمة السلطة. ومع تحول العقيدة الجامعة للمؤسسة الحاكمة من الإيديولوجيا إلى جني الثروات وتأمينها في الخارج، تصاعدت الصراعات بين أجنحة القصر على الخلافة، لتجد السلطة نفسها أمام خيارات معقدة بين البحث عن سيولة إقليمية طارئة ومواجهة مخاطر التفكك الذاتي.
يميز المحلل السياسي التركي أمره أوسلو، استناداً إلى أدبيات العلوم السياسية، بين مسارين رئيسيين لسقوط الأنظمة الاستبدادية: إما عبر انتفاضة شعبية تندلع من القاعدة (الأسفل)، وإما من خلال تصدع هيكلي ينفجر داخل القمة (نخبة الحكم). وفي معرض تحليله لأبعاد التطورات المتعلقة بـ “صندوق السطو” (Soygun Fonu)، يطرح أوسلو، في تحليله عبر موقع يوتيوب، تساؤلاً مركزياً حول مدى قدرة هذه الفضيحة المالية على إنهاء حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أم أن النظام سينجح في التغطية عليها واحتوائها كما حدث في قضايا الفساد الكبرى السابقة كتحقيقات 17-25 ديسمبر.
محدودية خيار التغيير من الأسفل: غياب شروط الانتفاضة الشعبية
يرى أمره أوسلو أن افتراض اندلاع ثورة شعبية حاسمة مسألة غير مرجحة في المدى القريب، متناولاً أربعة عناصر محددة لتقييم إمكانية الحراك الشعبي:
الضائقة الاقتصادية: يقر أوسلو بوجود أزمة اقتصادية خانقة في البلاد تتفاقم بفعل استنزاف نحو 20 مليار دولار عبر عمليات الاختلاس.
الشبكات التنظيمية والسياسية: يوضح أوسلو أن تحويل الغضب الشعبي إلى حركة سياسية يتطلب وجود شبكات معارضة تنظيمية فاعلة (سواء كانت أحزاباً أو حركات شبابية أو يسارية). غير أن النظام التركي عمل بأسلوب مخطط منذ أحداث “جيزي بارك” عام 2013 على تفكيك هذه الشبكات وتحييدها، وهو ما تجلى مؤخراً في الحملات الأمنية الموجهة ضد المجموعات اليسارية.
مساحة الفرص السياسية والميدانية: تؤكد تحليلات أوسلو غياب المجال الذي يسمح بالتظاهر السلمي، في ظل الردع الأمني الصارم من قبل أجهزة الشرطة، وتشدد السلطات القضائية والإدارية في منع أي حراك ميداني.
بيئة التواصل والإعلام: يبيّن أوسلو أنه على العكس من حقبة “الربيع العربي” التي اعتمدت على الحراك الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أضحت الأنظمة الاستبدادية تمتلك أدوات متقدمة للتحكم في المشهد الرقمي عبر الحجب التقني والسيطرة بواسطة شبكات الذباب الإلكتروني.
بالإضافة إلى ذلك، ينفي أمره أوسلو الرهان على حدوث انشقاق واسع في القاعدة الشعبية لحزب العدالة والتنمية. ويُرجِع أوسلو ذلك إلى قدرة الجهاز الإعلامي للنظام على إنتاج روايات تبريرية تسوّق للأزمة باعتبارها “مؤامرة خارجية تستهدف الأمن القومي والأنشطة البحرية والدفاعية للبلاد”، لاسيما مع رفع الحظر القضائي عن إحدى الشركات الملاحية المتورطة قبيل ساعات من بث تحليله. كما يشير أوسلو إلى دور بعض الإعلاميين والمنابر المحسوبة شكلياً على المعارضة (مثل مجموعة سوزجو) في تبني هذه السردية وترويجها.
تصدع القمة: التحولات البنيوية في عقيدة نخبة الحكم
يعتقد أمره أوسلو أن الرهان الحقيقي لتداعي النظام يكمن في التفكك الداخلي للنخبة الحاكمة، مستنداً إلى ثلاثة محددات رئيسية:
تحول القيمة المشتركة: يوضح أوسلو أنه حتى عام 2014 كانت “القضية” والإيديولوجيا الإسلامية وتمثيل العالم الإسلامي هي الرابط الجامع لنخبة حزب العدالة والتنمية. غير أنه عقب تكشف قضايا الفساد، تحولت العقيدة الجامعة حصرياً إلى “السلطة والمال”، مما أتاح للنظام بناء تحالفات براغماتية متناقضة مع حزب الحركة القومية ، ومجموعات “أرغينكون”، بل وحتى التفاهم مع عبد الله أوجلان.
التهديد الخارجي وتآكل التضامن: يبيّن أوسلو أنه في الفترات السابقة (كما في حادثة “وان مينوت” عام 2009 ومواجهة اللوبي الإسرائيلي)، كان النظام يستطيع حشد الشارع والنخبة خلف رمزية القائد. أما اليوم، فقد اتسعت الفجوة بين القاعدة الفقيرة والنخبة الثرية، حيث يتم جني الملايين وتهريبها للخارج (كما في حالة الوزيرة السابقة فاطمة بتول سايان كايا التي ضاعفت مبلغ 3 ملايين دولار إلى 44 مليون دولار خلال أربعة أشهر). ونظراً لارتباط ثروات النخبة بشركات وشبكات مالية دولية، فإنهم ينخرطون عملياً في تلك المنظومات العالمية ولا يستطيعون التكتل خلف النظام بحس قيمي.
طبيعة الأصول والنزوح المالي: يقارن أوسلو بين مرحلة ما قبل 2014 حين كانت الثروات المكتسبة تُستثمر في أصول عقارية ومشاريع إنشائية داخل تركيا (كما كان الحال مع شخصيات مثل مليح غوكجيك) مما يمنح أردوغان ورقة ضغط لمصادرتها، وبين المرحلة الحالية التي شهدت تحويل الأموال إلى سيولة نقدية وصناديق استثمارية خارجية في دول مثل سويسرا وألمانيا. هذا التحول جعل أموال النخبة بعيدة عن يد السلطة المركزية، وأشعل سباقاً بين المسؤولين لتهريب أكبر قدر من الأموال.
فضيحة “صندوق السطو” وصراع الخلافة داخل القصر
يتطرق أمره أوسلو إلى تفاصيل أزمة “صندوق السطو”، واصفاً إياها بجريمة مالية نُهب فيها نحو 20 مليار دولار خلال عامين أو ثلاثة أعوام، ما يشكل عبئاً لا يستطيع الاقتصاد التركي تحمله. ويقارن أوسلو ذلك بفضيحة وول ستريت عام 2009 في الولايات المتحدة التي بلغت 60 مليار دولار لكنها تراكمت على مدى أربعين عاماً.
ويكشف أوسلو عن اتساع دائرة الشبهات لتشمل وزراء سابقين وحاليين، ومسؤولين كباراً في القصر الرئاسي مثل حسن دوغان، مع وجود ملفات وشواهد بحوزة قيادة معارضة كـأوزغور أوزيل، رئيس الحزب الجديد. ويشير أوسلو إلى أن هذا الصراع المالي ارتبط بصراع أعمق على خلافة أردوغان بين جناح بلال أردوغان وجناح وزير الخارجية هاكان فيدان، حيث تتصاعد الضربات المتبادلة بين معسكري الطرفين وتتوالى التسريبات.
ويضيف أوسلو أن تراجع قدرة أردوغان القيادية وظهور علامات الإجهاد والضعف الجسدي عليه (كظهوره متكئاً خلال اجتماعات الأمم المتحدة برفقة دونالد ترامب) أدى إلى تفاقم حالة الذعر لدى المحيطين به، وتحول مصدر شرعيته من التأييد الداخلي إلى الاستناد لقادة خارجيين ودول إقليمية.
المناورات التكتيكية والحلول البديلة
ويرى أمره أوسلو أن النظام قد يلجأ إلى حلول اضطرارية لتغطية الفجوة المالية البالغة 20 مليار دولار، من بينها إمكانية إرسال قوات عسكرية تركية إلى السعودية لدعم العمليات في اليمن مقابل الحصول على تمويلات وقروض سريعة لتفادي الانهيار الاقتصادي المباشر.
كما يسلط أوسلو الضوء على المحاولات الحثيثة للادعاء العام والقضاء لسحب القرارات القضائية والتغطية على الفضيحة ترميماً للتصدع. غير أنه يحذر من أن خروج أي شخصية متضررة عن الصمت (كإنقاذ النفس عبر تسريب الوثائق للإعلام المستقل في الخارج) سيفجر ارتدادات متتالية تزيد من هشاشة البناء الحاكم. وفي هذا السياق، يلفت أوسلو إلى مؤشرات أخرى على حالة الارتباك الداخلي، مثل تحركات مجموعة “أرغينكون”، وإعادة فتح ملفات أمنية واستخباراتية حساسة كملفي كوزين أوغلو ومحسن يازجي أوغلو، والتكهنات الحثيثة حول بحث سيناريوهات خروج أردوغان أو عدم ترشحه مجدداً.
قراءة سياقية وتحليل موضوعي شامل
تُظهر القراءة الشاملة والموضوعية للتحليل الذي قدمه أمره أوسلو أن أزمة “صندوق السطو” ليست مجرد فضيحة مالية عابرة، بل تعكس تحولاً هيكلياً في آليات إدارة الحكم والائتلافات الداخلية في تركيا. فبينما تحاول السلطة التنفيذية إدارة الاقتصاد عبر حلول مسكنة وصفقات إقليمية، تظل الهيكلية المالية القائمة على صناديق الاستثمار الخاصة عرضة للانكشاف في ظل استمرار التنافس الداخلي على الموارد. ويؤكد هذا الطرح أن غياب المعارضة الميدانية الفاعلة لا يعني استقرار الحكم بالضرورة، بل ينقل حلبة الصراع الفاصلة من الشارع إلى أروقة الدولة العميقة وأجنحة الحزب الحاكم.

