ألغت المحكمة الإدارية في لوكسمبورغ قراراً سابقاً يرفض طلب اللجوء المقدم من مواطن تركي على خلفية صلاته بحركة “الخدمة” التي أسسها الراحل فتح الله كولن.
وقضت المحكمة بمنحه صفة اللاجئ وإلغاء أمر مغادرة الأراضي الوطنية الصادر بحقه، مؤكدة أن ملاحقة والده وإدانته في تركيا، إلى جانب أنشطة الابن ضمن الحركة، يضعانه تحت خطر حقيقي ومباشر للاضطهاد في حال إعادته إلى بلاده.
تفنيد قضائي لدفوع وزارة الداخلية
يعود أصل القضية إلى قرار أصدرته وزارة الداخلية في لوكسمبورغ خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2024، رفضت بموجبه طلب اللجوء بداعي أن المحاكمة التي تعرض لها الوالد في تركيا لا تثبت وجود خطر شخصي يتهدد الابن. ودعمت الوزارة موقفها حينها بالإشارة إلى عدم تقديم المتقدم ما يثبت استهدافه المباشر من قبل السلطات التركية، فضلاً عن مغادرته تركيا بصورة قانونية وإقامته في بولندا دون التقدم بطلب لجوء هناك.
غير أن المحكمة الإدارية رفضت رؤية الوزارة التي اعتبرت أن الخطر قد تضاءل لكون المعارض لم يتعرض للاضطهاد قبل مغادرته البلاد، ولعدم ورود اسمه ضمن قائمة أصدرتها الحكومة التركية عام 2023 للمشتبه بانتمائهم للحركة في الخارج. وأوضحت المحكمة أن عدم إدراج اسمه في تلك القائمة لا ينفي إمكانية إضافته مستقبلاً، مشيرة إلى أن مجرد وجود القائمة يمثل دليلاً على أن السلطات التركية ترصد وتستهدف الأشخاص المنتسبين للحركة والمقيمين خارج حدودها.
المسار الشخصي والتداعيات العائلية
ترجع صلات المواطن التركي بحركة كولن إلى مرحلة مبكرة من حياته. وفور مغادرته تركيا متجهاً إلى بولندا في عام 2021، انخرط في أنشطة المؤسسات التابعة للحركة هناك، واستمر في ممارسة أنشطة مماثلة مع منظمة محلية عقب انتقاله إلى لوكسمبورغ عام 2023.
وفي المقابل، أُدين والد المعارض داخل تركيا بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية بسبب ارتباطه بالحركة، وصدر بحقه حكم بالسجن أيدته محكمة التمييز العليا التركية في يونيو/حزيران 2025. وعلى الرغم من معاناة الوالد من ظروف صحية حرجة، فقد جرى سجنه لتمضية العقوبة، مما فرض على العائلة عزلة واضطهاداً اجتماعياً واسع النطاق.
وبناءً على هذا التداخل بين إدانة الوالد وسجنه، والصلات القديمة للابن بالحركة وأنشطته العلنية في أوروبا، خلصت المحكمة الإدارية إلى وجود خطر قائم وجدي يجعله عرضة للملاحقة والسجن في تركيا. واعتبرت المحكمة أن الخوف من الاضطهاد يستند إلى معطيات موضوعية وراهنة وبلغت من الجسامة ما يوجب منح الحماية القانونية للاجئين.
اتساق مع السوابق القضائية الأوروبية والسياق التركي
ينسجم هذا الحكم القضائي مع قرارات سابقة اتخذتها محاكم في ألمانيا وهولندا، حيث قُبلت طعون مواطنين أتراك ضد رفض طلبات لجوئهم لارتباطهم بحركة كولن. وأكدت المحاكم الأوروبية في تلك القضايا أن غياب الملاحقات الجنائية الجارية أو انتهاء العقوبة السجنية لا يلغي احتمال التعرض لاضطهاد مجدد عند العودة.
وتأتي هذه الأحكام في إطار الحملة الشاملة التي يشنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد حركة كولن، التي استلهمت أفكارها من فتح الله كولن الذي توفي عام 2024. وتعود جذور هذا الصراع إلى تحقيقات الفساد في ديسمبر/كانون الأول 2013 التي طالت أردوغان وأفراداً من عائلته ودائرته المقربة، حيث عدّها مؤامرة من الحركة، وقام بتصنيفها منظمة إرهابية في مايو/أيار 2016. واشتدت الملاحقات الأمنية عقب محاولة الانقلاب في يوليو/تموز 2016 التي اتهم أردوغان الحركة بتدبيرها، وهو ما تنفيه الحركة باستمرار مؤكدة عدم تورطها في محاولة الانقلاب أو أي نشاط إرهابي.
وتظهر أحدث البيانات الصادرة عن وزارة العدل التركية إدانة أكثر من 127,000 شخص بتهم الصلة بالحركة منذ عام 2016، مع بقاء 10,485 شخصاً قيد الاحتجاز في السجون، واستمرار الإجراءات القانونية ضد 83,404 آخرين. ويُذكر أن هذا التقرير جرى إعادة نشره عن مركز “ستوكهولم من أجل الحرية”.

